العبرة من هذه القصة القصيرة جدًا، هي أحيانًا يكون من يحبك أكثر من غيره هو من يمتلك الشجاعة ليجعلك تنتبه ليفتح عينيك. لأنَّه عندما تملك شيئًا، يكون الجميع معك. ولكن عندما لا يتبقى لديك شيء، تظهر الحقيقة وتكتشف من يستحق ذلك حقًا. فمن يحبك ليس لما تقدمه، بل لما أنت عليه. وهذه الحقيقة، حتى لو كانت مؤلمة تجعلك أقوى وأكثر نضجًا!
بيروت … جورجيت أنطوان مرعب
الجدة بريجيت وبنبرة تهديد حادة: “غادر هذا المنزل فورًا! ولا أريدك أن تعود إليه مجددًا!”
هذا كل ما سمعه لويس. لم يكن هنالك جدال، ولا صراخ.
مجرد جملة قاسية … وباب يُغلق في وجهه.
جدته، هي المرأة نفسها التي ربّته منذ الصغر.
تطرده الآن كما لو كان غريبًا.
جده، الذي شهد المشهد، صُدم.
وهو يتمتم: “ماذا تفعل بريجيت؟ لماذا تطرده هكذا؟ لماذا تتصرف هكذا؟ إنَّه حفيدها! ولماذا هي غاضبة منه إلى هذه الدرجة؟”.
لكنها لم تكترث ولا تبالي، واستمرت في طرد حفيدها لويس.
ثم استدارت ببساطة واختفت داخل المنزل.
لم يفهم. ولا أحد آخر استطاع فهم ما يحصل … لا أحد!
صُدم لويس، وبدا متشتتًا، بلا هدف، بلا وجهة، يمشي بخطى مترددة، كان يرتدي الملابس نفسها التي كان يرتديها عندما ذهب لشراء اغراض المنزل.
لا مال، لا هوية، لا مفاتيح، لا وجهة محددة، ولا حتى حقيقة أغراض.
واتجه مباشرة إلى بيت صديقة باتريك.
قائلًا له: “هل يمنني المكوث عندك؟”.
سأله صديقه باتريك: “مابك؟ لماذا انت على هذه الحال؟ ما الذي يجري معك؟ أجبني!”.
فرد عله لويس والحرقة تأكل وجدانه: ” لا أبدًا، لقد طردوني”.
باتريك: “اللعنة! ولكن لماذا؟ ما الذي فعلته كي يطردونك هكذا؟”.
لويس: ” ماذا قلت؟ هل يمكنني البقاء عندكم إلى يوم الغد؟”.
باتريك: “أنا آسف يا صديقي. لا يمكنك ذلك، لأنَّ والديّ لا يسمحان لأحد بالنوم في المنزل. وبكل صراحة … لا يمكنني فعل أي شيء من أجلك، أعذرني!”.
واصل لويس سيره. وبعد مدة وجيزة رآه صديقه المقرب دانيال الذي لم يكن يفارقه أبدًا ولطالما اعتبره أخًا له.
فسأله دانيال: “هل أنت بخير؟ هل حدث لك مكروه أو شيء ما؟ لمادا أنت شاحب وحزين؟ هل جدتك بريجيت بخير؟”.
فأجابه لويس قائلًا: “ليس لديّ مكان آخر أذهب إليه. هل يمكنني البقاء في منزلك ليومين فقط؟ أنا بحاجة كبيرة إليك يا صديقي.”
دانيال: “وماذا ستفعل هنا؟ أنت تعرف أنَّ أسرتي فقيرة وحالها لا يسر العدو قبل الصديق. هل لديك مال؟ هل يمكنك المساعدة في نفقات المنزل؟”
لويس: “لا… لا شيء معي إلا الحزن واليأس والذكريات”.
دانيال: “أنا آسف إذًا، لا يمكنك البقاء. فنحن كما ترى عيناك. فبالكاد يستطيع والدي تأمين قوت يومنا”
صدم لويس ثانية، انحنى برأسه، ومضى متجهًا لرؤية حبيبته سارة.
عند وصوله، عانقها وشرح لها ما حدث. كانت قلقة، في حزن وحيرة ذهبت لتتحدث مع والديها. ثم عادت يائسة بائسة، وبصوت خجول خافت. وقالت له بريجيت: “يقولون إنَّك لا تستطيع البقاء. وأنا لا أستطيع فعل أي شيء لك أيضًا. أنا آسفة يا حبيبي. ولكن من غير المعقول أن تسير الأمور هكذا. هذا ظلم بعينه”.
ووجد لويس نفسه مجددًا وحيدًا، حزينًا ومكسور الخاطر. بلا أهل، بلا أصدقاء، وبلا أحبة. جلس على مقعد خشبي تحت الشجرة ونظر إلى السماء مستغيثًا. لقد بذل كل شيء من أجل أناس لا يعطونه الآن شيئًا سوى الرفض وعدم القبول.
مرت الساعات وكأنَّها أيام طويلة. وعندما ظن أنَّ لا أحد سيأتي إليه. ظهر جده ميشال في اللحظات الأخيرة من الحسرة واليأس القاتلين. ثم قال له: “تعالى يا بني إلى حضن جدك، ولنذهب إلى المنزل، جدتك بريجيت في انتظارك”.
لم يكن لويس يريد ذلك. رغم أنَّه يتمنى الرجوع إلى أحضان الجدة والجد. فلا أحد كان يحبه أكثر منهما.
فقال لويس: “لماذا يا جدي؟ أتريدني أن أُطرد مرة أخرى؟ ألا يكفيني ما حصل معي هذا الصباح”
الجد ميشال: “لا أرجوك، تمهل! اسمعني! ثق بي! هيا! فالبيت من دون حزين كئيب ومظلم”.
وبعد نقاش ليس بطويل، رجع لويس مع جده ميشال متجهًا إلى البيت. ساد صمت مطبق طوال المسافة الطريق. وعندما وصلوا، ركضت جدته لتعانقه والدموع بعينيها. تراجع لويس إلى الوراء قليلًا. ثم أجلسه جده وتحدث معه بهدوء.
فقال له الجد ميشال: “لم تفعل جدتك ذلك بدافع القسوة. فعلت ذلك بدافع الحب. أرادت أن ترى بأم عينيك من يكون موجودًا فقط عندما يكون لديك ما تقدمه. كنت تعتقد أنَّك محاط بالأصدقاء والأحبة. وكنت تعتقد أنَّ علاقتك وطيدة معهم. لكنَّها رأت ما لم تكن تريد رؤيته. أشخاص استغلوك طوال الوقت، كانوا موجودين طالما كنت تعطي وتتنازل بلا مقابل، ولكن لم يكونوا موجودين أبدًا عندما كنت بحاجة إليهم. وكان على جدتك بريجيت أن تجعلك ترى الحقيقة التي كانت محجبة عن عينيك”.
بدأ لويس البكاء بحرقة. فلم تتحمل جدته بريجيت المشهد، فاقتربت إليه وحضنته بقوة. ثم قالت له: “سامحني يا حبيبي، لقد حطم هذا التصرف قلبي. لكنني أحبك كثيرًا لدرجة أنني لا أسمح لك بتصديق الكذب والنفاق”.
عانقها لويس بشدة. كما لو كان صغيرًا. وفهم كل شيء، لا يمكن للكلمات أن تعلمه إياه مهما طال الزمان. ومنذ ذلك الحين، أصبح لويس أكثر حكمة ونضجًا من ذي قبل.
كان الدرس بالفعل قاسيًا وغير مريح إطلاقًا، ولكن لويس تعلمه وحفظه جيدًا. في عمر ال وبدا كأنه حكيم يفقه أمور الدنيا وأسرارها، وهو في عمر الزهور.

