مسرحية تجمع 6 نساء في بيت دمشقي أشبه بمصحة
دمشق … ميرنا خليل
أعوام مضت على الصيغة الأولى من مسرحية “فوضى”، تأليف وإخراج الفنان السوري عبد المنعم عمايري، عرض مسرحي حاز جوائز عديدة في مهرجانات عربية ودولية، كان أبرزها جائزة أفضل عرض في مهرجان القاهرة.
عمل ابداعي أُنتجت منه نسخة باللغة التركية في إسطنبول عام 2009، هاهو يعود إلى واجهة الحياة المسرحية السورية ، لينال جائزة أفضل عرض في الدورة السادسة والعشرين من مهرجان المسرح الجامعي الذي أقيم في مدينة حلب.
فوضى يبحث عن ذاته عبر مجموعة من المخرجين الشباب
لعرض يقوم على ما يبدو تجاور ستة مونولوجات مطوّلة لست نساء يقطنَّ بيتاً واحداً في دمشق القديمة، حيث تتدفق قصصهن في مناخ جعله المخرج أقرب إلى أجواء “العنبر رقم ستة من عنابر سجون النساء ” قصة (أنطون تشيخوف 1860- 1904) الشهيرة التي تناولها مسرحيون عرب وأجانب في عروض قاربت أجواء المصحات النفسي و إلى ابعد من ذلك لنقول عقلية ، مع فارق أن لا وجود لشخصية الطبيب “أـندريه أفيمفيتش” في هذه “الفوضى” التي عوّض فيها المخرج شخصيات تشيخوف بشخصيات نسائية يلبسن مآزر المصحات النفسية أو العقلية الأقرب إلى سجون العصور الوسطى.
في هكذا جو متوتر والمشحون تتصاعد حكايات نساء “فوضى” فنتعرف إلى صاحبة النزل ( نجاة محمد) التي فقدت جمالها مع السنين، وتعيش على أمجاد قصة حب جمعتها بخباز الحي، الرجل الذي كان بسببها مجرما ، ضارباً بخنجره كل من يحاول الاقتراب منها، إذ تمارس هذه المرأة سلطتها المباشرة على نزيلات بيتها، فمنهنّ من لاتزال تفتقد أبيها الميت ، في حين تشكو أخرى عقد الخوف من النوم في حقل ذرة، مكان كان شاهداً على لقائها مع رجل أحبها ووعدها بالزواج ليختفي بعد أن نال مراده منها.
من جهة موازية نرى شخصية فتاة تتعرض للتهديد بالذبح لقيامها بالخطيئة، لتصبح كل الأبواب موصدة أمامها، تائهة في ظلام أسود حالك يملأه قتلة سكاكين الشرف المهدور. مجابهة نتابعها مع شخصيات تجلس على كراسٍ وكأنها كراسي الاعتراف أو التحقيق مع كل مونولوج تتلوه واحدة منهن وكأنهنّ يؤدين ست مونودرامات تقترب أحياناً من البوليفونية أو ما يسمى بأسلوب تعددية الأصوات وتبتعد لتصبح صراخ هستيري ضد العنف والاغتصاب والتعذيب الجماعي.
مشاهد تعكس حال نساء في مصحة أو سجن في حرم مسرح متقشف في ظاهره، غني في عوالمه النفسية و الجسدية المتضاربة القوية. النساء الست هنا و كأنهن امرأة واحدة تتكلم بطبقة الصوت ذاته، وبالانفعال نفسه، جسد نسائي تتقاسمه ست نساء يمضين إلى نبش دواخلهنّ الشقية، وجروحهنّ الغائرة من غدر الرجال، أو من حبهنّ الضائع المختفي وراء ستائر الخوف والذل و المهانة تحت وطأة العادات والتقاليد البالية.
مسرح يحاول استعادة كيانه إلى ما قبل الدمار في سورية
أما نسخة “مشرف” تختلف تماماً عن نسخة عمايري حيث تفتقر إلى حساسية توزيع الأدوار، والتلاعب بكمية الصمت والصوت ، ناهيك عن ديكور المنزل ونوافذه التي تظهر الشخصيات النسائية منه وتختفي، على حسب رواية كل امرأة، فالمخرج هنا بنية لا يمكن تجزئتها، كما من غير الممكن التعامل مع نص “فوضى” على أنه نص أدبي قابل لرؤيا إخراجية مغايرة، كونه نصاً مكتوباً للخشبة مباشرة، و هذا ما جعل النسخة الجديدة منه تزداد هستيرية ورغبة في ملامسة مناطق حميمة في الذات الإنسانية العميقة، ما أدى إلى الانفراد في الأداء الذي ظل
متجاوراً إلى حدٍ كبير، إن صعوبة هكذا نوع من الأعمال المتعددة لا يمكن تقديم الحل لها ببقاء الممثل في مقدمة الخشبة والتكلم بوجهه وجسده للجمهور فحسب، بل الاعتماد أكثر على تفادي هذه المجابهة الرأسية مع صالة العرض والذهاب نحو حلول فنية تبتعد عن مسرح النطق أو الصوت، نحو مسرح محايد، مسرح لا يخاطب الشفقة والتعاطف، بقدر ما يطمح نحو تشريح هادئ لمأساة النساء فيما يوجعهن ـ


