صوفيا لورين … البدايات
صوفيا فيلاني سيكولوني صوفيا لورين هي واحدة من أهمّ وأغزر الممثلات إنتاجًا في السينما الإيطالية. برزت في خمسينيات القرن العشرين من خلال تجسيدها لشخصيات نساء الطبقة العاملة، الحرّات والمتحرّرات جنسيًا، الأمر الذي أكسبها شهرة واسعة كرمز للإثارة. ويُعتبر مشهد التعري الذي أدّته في فيلم “الأمس واليوم والغد” سنة 1963م، من أشهر المشاهد من نوعه في تاريخ السينما. وفي عام 1999م، صنّفها معهد الفيلم الأمريكي ضمن أعظم نجمات العصر الذهبي لهوليوود. هي الشخص الوحيد الذي لا يزل على قيد الحياة من بين جميع الممثلين في هذه القائمة.
نابولي … ستيفاني جوزيف الأبيض
ولدت صوفيا كوستانزا بريجيدا فيلاني سيكولوني أو صوفيا لورين في 20 سبتمبر 1934م في روما، وهي ممثلة فرنسية إيطالية. ابنة المهندس المعماري ورجل الأعمال ريكاردو سيكولوني موريلو (1907-1976)م وروميلدا فيلاني (1910-1991)م، وهي معلمة بيانو تشبه كثيرًا الممثلة غريتا غاربو.
أمضت صوفيا الصغيرة طفولةً ومراهقةً صعبتين في بوتسولي، على بُعد حوالي خمسة عشر كيلومترًا من نابولي، مع والدتها وجدتها لويزا وشقيقتها الصغرى آنا ماريا. كما أنَّ لدى صوفيا، من والدها، أخوان غير شقيقين، جوليانو وجوزيبي، وهما أصغر منها سنًا.
والدها رفض الزواج من والدتها ولم يُقدّم أي دعم مالي لعائلته. لم تربط صوفيا علاقة حقيقية بوالدها، وصرحت بأنَّها لم تره إلا ثلاث مرات في حياتها: في سن الخامسة، والسابعة عشرة، والثانية والأربعين، عندما كان يحتضر. وفي مقابلة مع الصحفية الأمريكية باربرا والترز، كشفت الممثلة صوفيا لورين أنَّها سامحت والدها لكنها لم تنسَ أبدًا هجر والدتها لها، تاركةً إياها وحيدةً مع ابنتيها

خلال الحرب العالمية الثانية، تعرض ميناء بوتسولي ومصنع الذخيرة التابع له لقصف متكرر من قبل قوات الحلفاء. وفي إحدى الغارات، وأثناء هروبها للاحتماء، أصيبت صوفيا الصغيرة بشظية في ذقنها. بعد ذلك، أقامت العائلة مع أقاربهم في نابولي. وعندما انتهت الحرب، عادت صوفيا إلى بوتسولي.
افتتحت جدتها لويزا حانة في غرفة معيشتهم، حيث كانت تقدم مشروبًا كحوليًا محلي الصنع. كانت والدتها تعزف على البيانو، وتغني أختها، بينما كانت صوفيا تعمل كنادلة وتغسل الأطباق. كان المكان يحظى بشعبية خاصة بين الجنود الأمريكيين المعجبين بجمال وبساطة العائلة المتواضعة، والذين كانت ثكناتهم قريبة.
في طفولتها، لم تكن صوفيا مهتمة بالفن والأضواء والشهرة. فقط، كانت تطمح لأن تصبح معلمة لغة إنجليزية. واجهت العديد من التعليقات حول بنيتها الجسدية، ولُقبت بـ”عود الأسنان” (stuzzicadenti) بسبب نحافتها. فلم تكن أتناسب معايير الجمال السائدة آنذاك، الجمال الإيطالي، الجميلة ذات القوام الممتلئ.

وفي سن الخامسة عشرة، وتحديدًا في سنة 1949م، وبتشجيع كبير من والدتها، كانت واحدة من أربع ممثلات لمنطقة لاتسيو في مسابقة ملكة جمال إيطاليا، التي كانت تُعرف آنذاك باسم “ألف ليرة لابتسامة”. تحت اسم مستعار “صوفيا لازارو”، أين حازت على المركز الثاني. وقد أعجبت لجنة التحكيم بجمالها ورقتها، فابتكرت لها جائزة “ملكة الأناقة”. وفي هذه المسابقة التقت لأول مرة بالمنتج الإيطالي وزوجها المستقبلي، كارلو بونتي.
بعد مشاركتها في مسابقة ملكة جمال إيطاليا، اكتسبت الشابة صوفيا سيكولوني شهرةً لا بأس بها من خلال ظهورها في الروايات المصورة، مستخدمةً الاسم المستعار “صوفيا لازارو”. وبعد فترة قضتها في مركز السينما التجريبية، والتي تجاوزت السنتين، ظهرت الصبية صوفيا ككومبارس غير مذكورة في فيلم “كوفاديس” سنة 1951م للمخرج الأمريكي ميرفين ليروي. في الوقت نفسه، حصلت على أدوار صغيرة في أفلام ظهرت فيها أحيانًا عارية الصدر، كما في فيلم “يا لها من ليالٍ مضحكة سنة 1951م.
حظيت هذه الظهورات باهتمام في فرنسا، لكنها لم تُلاحظ في إيطاليا، حيث قامت الرقابة الصارمة بإزالتها. نُشرت صورة لصوفيا لورين عارية الصدر، مأخوذة من فيلم “يا لها من ليالٍ مضحكة”، و في عام 1957م في مجلة بلاي بوي الأمريكية، وكانت الممثلة آنذاك قد اشتهرت بالفعل. لم تظهر عارية جزئيًا مرة أخرى بعد ذلك، مُعللةً ذلك بأنَّها لا تشعر بالراحة في مثل هذه الظروف.

وقّع المنتج الإيطالي كارلو بونتي، الذي كان قد لاحظ موهبة صوفيا الشابة، معها عقدًا حصريًا لمدة سبع سنوات. وفي عام 1953م، أثناء تصوير فيلم “تحت بحار أفريقيا” للمخرج جيوفاني روكاردي، اقترح جوفريدو لومباردو، منتج بونتي وصديقه، على صوفيا سيكولوني تغيير اسمها سعيًا وراء مزيد من الشهرة العالمية. ثم أصبحت “صوفيا لورين”، مستوحاة من اسم الممثلة السويدية الجميلة “مارتا تورين”.
في عام 1953م أيضًا، حصلت على أول دور بطولة لها، والذي نال استحسان النقاد وعالم الفن والسينما، في فيلم عايدة للمخرج كليمنتي فراكاسي. وفي عام 1954م، تألقت في فيلم البيبلوم “أتيلا الهوني” إلى جانب أنتوني كوين وإيرين باباس.
بين عامي 1954م و1955م، برزت صوفيا لورين في العديد من الأفلام الكوميدية الإيطالية، مثل “الدوامة الخيالية”، و”ذهب نابولي”، و”يا للأسف إنها سيئة” سنة 1954م، و”فوق طواحين الهواء” سنة 1955م. وخلال هذه الفترة أيضًا، التقت باثنين من أهم المتعاونين معها وأصدقائها، وهنا: فيتوريو دي سيكا ومارسيلو ماستروياني.
في عام 1956م، وقّعت صوفيا لورين عقدًا لخمسة أفلام مع شركة باراماونت بيكتشرز، مما ساهم في شهرتها العالمية بسرعة. بين عامي 1957 و1960م، عملت الممثلة مع مخرجين عالميين مثل:
ــ جان نيغوليسكو … في فيلم Shadows Under the Sea.
ــ هنري هاثاواي … في فيلم The Vanishing City.
ــ ستانلي كرامر … في فيلم Pride and Passion.
ــ ديلبرت مان … في فيلم Desire Under the Elms.
ــ ميلفيل شافيلسون … في فيلم Houseboat.
ــ سيدني لوميت … في فيلم The Bitch.
ــ جورج كوكور … في فيلم The Devil in Pink Tight.
في أبريل/نيسان سنة 1957م، خلال حفل عشاء أقامته شركة باراماونت بيكتشرز في أحد مطاعم بيفرلي هيلز، التُقطت صورة للممثلة العالمية صوفيا لورين وهي تنظر شزرا إلى صدر الممثلة الأمريكية جاين مانسفيلد. وُصفت هذه الصورة عام 2017 بأنها من “أكثر الصور شهرةً في تاريخ هوليوود خلال الستين عاماً الماضية”.
مع ذلك، كان مارتن ريت هو من منحها أول إشادة نقدية لها عن فيلم “الأوركيد السوداء” سنة 1958م، إذ حصدت عن دورها في شخصية روز بيانكو جائزة فولبي لأفضل ممثلة في مهرجان البندقية السينمائي عام 1958م.
في سنة 1960م، شكّل فيلم “La ciociara” للمخج فيتوريو دي سيكا، نقطة تحول في مسيرة الممثلة المتألقة صوفيا لورين المهنية. ففي سن الخامسة والعشرين، لعبت صوفيا دور سيزيرا، وهي أرملة وأم شجاعة تبذل كل ما في وسعها لحماية ابنتها التي لعبت دورها إليونورا براون في إيطاليا التي مزقتها الحرب.
حقق الفيلم نجاحًا عالميًا باهرًا، حيث بيعت أكثر من مليوني تذكرة في دور السينما الفرنسية. وهنا، أشاد النقاد بأداء صوفيا لورين، وحصدت بفضله العديد من الجوائز المرموقة. بما في ذلك:
ــ جائزة أفضل ممثلة في مهرجان كان السينمائي.
ــ جائزة الأوسكار لأفضل ممثلة.
لتصبح لورين بذلك أول ممثلة تفوز بهذه الجائزة عن فيلم غير ناطق بالإنجليزية. مع ذلك، وبسبب خوفها الشديد، لم تحضر الحفل، مُعللةً ذلك بأنَّها كانت سيُغمى عليها بغض النظر عن النتيجة.
جعل نجاح فيلم “امرأتان” من صوفيا لورين واحدة من أكثر الممثلات طلبًا في العالم، مما أتاح لها العمل في كل من الولايات المتحدة وأوروبا. في عام 1961م، لعبت دور البطولة في الفيلم الملحمي “السيد” إلى جانب تشارلتون هيستون. وأصبحت ثاني ممثلة، بعد إليزابيث تايلور، تتقاضى مليون دولار عن فيلم.
كما برزت صوفيا لورين إلى جانب بول نيومان في فيلم Lady L. سنة 1965م، وغريغوري بيك في فيلم Murder, She Wrote سنة 1966م، ومارلون براندو في فيلم تشارلي تشابلن الأخير، A Countess from Hong Kong سنة 1967م.
لعبت صوفيا لورين وماستروياني دور البطولة في فيلم “الأمس واليوم والغد” سنة 1963م. وباعتبارها الممثلة المفضلة لدى فيتوريو دي سيكا، أخرج لها أربعة أفلام أخرى خلال الستينيات:
ــ بوكاتشيو 70 … سنة 1962م.
ــ محكوم عليهم في ألتونا … 1962م.
ــ الأمس واليوم والغد … سنة 1963م. الذي فاز بجائزة الأوسكار لأفضل فيلم أجنبي عام 1965م.
ــ زواج على الطريقة الإيطالية” … سنة 1964م. ولقد حاز أداؤها المتميز لشخصية فيلومينا مارتورانو في هذا الفيلم على ترشيح ثانٍ لجائزة الأوسكار.
سمحت هذه الشخصيات النسائية الصعبة والمعقدة والواقعية، هؤلاء البطلات العاديات، للممثلة بصقل شخصيتها وتقديم أكثر أدوارها جرأة. اجتمع الثلاثي دي سيكا ولورين وماستروياني مجددًا عام 1970م في فيلم “زهور الشمس”. وأخيرًا، كان فيلم “الرحلة” سنة 1974م آخر أفلام المخرج، حيث شاركت لورين البطولة مع الممثل البريطاني ريتشارد بيرتون.
بين عامي 1964م و1977م، حازت الممثلة على أربع جوائز هنريتا. تُمنح هذه الجائزة للممثلين “المفضلين” في العام السابق. وفي عام 1976م، لعبت صوفيا لورين دور البطولة في فيلم الكوارث “معبر كاساندرا” إلى جانب ريتشارد هاريس، وبيرت لانكستر، وآفا غاردنر. ورغم نجاح الفيلم تجاريًا، إلا أنَّه لم ينل استحسان النقاد.
في عام 1977م، اجتمعت مجددًا مع مارسيلو ماستروياني في فيلم إيتوري سكولا المناهض للفاشية في فيلم “يوم مميز” (Una giornata particolare). كان سكولا مترددًا في البداية في إسناد دور ربة منزل منهكة وخاضعة وعدوانية إلى لورين. إلا أنَّه غيّر رأيه بعد لقائه بالممثلة، التي وصفها بأنَّها انطوائية، وخجولة جدًا بطريقتها الخاصة، وتخفي حزنًا عميقًا في داخلها.
عُرض الفيلم في المسابقة الرسمية لمهرجان كان السينمائي عام 1977م، وحقق نجاحًا تجاريًا ونقديًا كبيرًا. نال أداء صوفيا لورين إشادة واسعة، وحصلت بفضله على جائزة ديفيد دي دوناتيلو وجائزة الشريط الفضي.
في عام 1979م، لعبت الممثلة العالمية صوفيا لورين دور البطولة في الفيلم الموسيقي “رجل من لامانشا” إلى جانب بيتر أوتول وجيمس كوكو، وفي فيلم الإثارة “مسدس في اليد” إلى جانب جيمس كوبورن وأو. جيه. سيمبسون. مع ذلك، مُني كلا الفيلمين بفشل تجاري ونقدي كبيرين.

