“ساكن قصادي” ولدت نتيجة غيرة نجاة من شادية
القاهرة … برلنتي عبد العزيز
نجاة الصغيرة مطربة مصرية شقيقة الفنانة سعاد حسني، ذات إحساس ناعم مرهف، وصوت عذب حنون. في أحد أيام الصيف استمعت نجاة عبر الإذاعة إلى أغنية “مين قالك تسكن في حارتنا تشغلنا وتقل راحتنا” للفنانة شادية.
فبدأت نجاة تتحرك ذهابا وإيابا في الغرفة، واتصلت بعدد من أصدقائها للتأكد من أنها شادية بالفعل، المعروفة بالأغنيات الرومانسية، كيف لها أن تغني هكذا لونا شعبيا جديدا بين غشية وضحاها، وأكد لها فورا الجميع أن الأغنية ناجحة جدا و”مكسرة الدنيا” حسب اللهجة المصرية العامية، وكانت صدمة كبيرة لنجاة الصغيرة التي لم تستطع تحمل ما سمعته.
في ذلك الوقت، كانت نجاة تغني ـ بان عليا حبه، غريبة منسية، سمارة سمارة، ليه الحلو بيدّاري، كلمني عن بكره، ابعد عن امبارح ـ وهو اللون الرومانسي الراقي الذي اشتهرت به، لكن نجاة شعرت بالغيرة من شادية والنجاح الساحق الذي حققته باللون الشعبي الجديد، خاصة أن الأغنية بها قصة درامية خفيفة ومصورة، والقصة لها بداية ووسط ونهاية، وعلمت أن كاتبها هو الشاعر الغنائي الأشهر وصديقها حسين السيد.

فاتصلت به ومن دون مقدمات.
نجاة: “عايزة حاجة زي غنوة شادية”.
فرد حسين ضاحكا: “إيه يا نوجة، بدأنا نغير ولا إيه؟”.
نجاة: “لا والله مش غيرة ولا حاجة، بس عايزه أغيّر في نوعية الأغاني بتاعتي شوية”.
حسين السيد: “بس أنتي ملكيش في الشعبي خالص يا نوجة، صوتك مياخدش للسكة دي”.
نجاة: “مليش دعوة، اتصرف، عايزه أغنية الناس تشوفها وهى بتسمعها”.
حسين السيد: “خلاص يا نوجة، سيبيني يومين وهاشوف ممكن أكتبلك إيه”. وانتهت المكالمة.
لم تنم نجاة لمدة ثلاثة أيام كاملة، وما أن بزغ صباح اليوم الثالث، اتصلت به قائلة: “كتبتها يا جميل؟”.
شعر حسين بالدهشة، وَرَدّ: “يا نوجة بقولك سيبيني يومين، مقصدش 72 ساعة، يومين يعني شوية كده أشوف إيه اللي يليق عليكي”.
ومر الوقت بطيئا مملا على نجاة، وبعد أسبوع فوجئت باتصال من حسين، وبدأ بسؤال: “إيه حكايتك مع ابن الجيران اللي كان ساكن قصادك؟”. وتعلثمت نجاة، وشعرت بدهشة ممتزجة بخجل وردت عليه:
“إيه ده، مين قالك على الحكاية دي؟”.
فرد ضاحكا: “أنتي دلوقت، يعني فيه حكاية بقى بجد وأنا معرفش”. لتجيب بحرج: “إيه حكايتك يا حسين، أنت بتَّوِّهني في الكلام عشان مسألكش عملت إيه في الغنوة؟”.
حسين السيد يرد: “يا عبيطة، ما هي دي الأغنية، ساكن قصادي وبحبه، وأتمنى أقابله، فكرت أصارحه، لكن أبدا مقدرشي أقوله أقوله”.
وصرخت نجاة بجنون: “حبيب قلبي مش هينفع أسمعها في التليفون، ساعة وأكون عندك، اعمل حسابي على العشاء”.
وبمجرد أن دخلت نجاة شقة حسين السيد، التقطت الورقة من يده، وقرأت: “وفي يوم صحيت على صوت فرح بصيت من الشباك، زينة وتهاني وناس كتير دايرين هنا وهناك، شاورولي بإيدهم وقالولي عقبالك”.
فنظر حسين لتعبيرات وجه نجاة وعينيها تضحك مع جملة عقبالك، وهي تستكمل: “هلّلت من الفرحة وسألت، قالوا جارك، حبيبي حبيبي، اللي ساكن قصادي وبحبه”.
نظرت نجاة لحسين السيد ودموع حائرة تجاهد حتى لا تسقط من المقل، وحسين يستحثها على إكمال الأغنية قائلا: “كمّلي يانوجة”.
واستكمل هو: “رحت الفرح بالليل ورسمت في عنيا الفرحة، ساعة ماكان بيشيل بإيديه وبعنيه الطرحة”.
هنا قررت الدموع الهرب خارج العينين وتبعتها دموع أكثر، وسألها حسين: “مالك يانوجة، نكمل؟”.
فأجابت بصوت مبحوح ومجروح: “حلوة قوي وبعنيه الطرحة، صورة تعبيرية هايلة منك”.
فطلب منها استكمال القراءة، ففعلت بصوتها المبحوح: “شربت شرباتهم وانا قاعدة بصّالهم، لحد ما قاموا ومشيت مشيت اوصلهم، حتى الأمل ما بقاش حقي أفكر فيه، بعد الليلة دي خلاص بقى غيري أولى بيه”.
ولم تستطع النطق، فالتقط حسين الورقة واستكمل: “ناس في طريق النور، ما بين فرح وشموع، وانا في طريق مهجور، ومنوراه بدموع، ولقتني فايته من جنب بابه، لا هو داري بقلبي ولا باللي نابه، ويا ويلي يا ويلي من طول غيابه، ويا ويل ايامي من جرح عذابه، وعذاب الجرح اللي فاتهولي وسابه”.
حتى انتهى من الأغنية ساكن في قلبي وساكن قصادي وبحبه، وكأن سد نهر الدموع قد فتحت أبوابه، وانهمرت على خديها
بعد أن هدأت نجاة ومسحت دموعها، قالت لحسين: “هات التليفون”.
فرد حسين: “هاتكلمي مين بس في الوقت ده؟.
نجاة: “الأستاذ. هايتجنن لمّا يسمعها”.
حسين: “قصدك عبد الوهاب؟”
فأجابت نجاة بلهفة: “وهو فيه غيره يخرج الغنوة دي”.
رد حسين مداعبا: قصدك يلحن مش يخرج”.
قالت له نجاة: ” أكيد انت فاهمني وعملت اللي نفسي فيه، دي مش اغنية، دي فيلم، الناس تشوفه وهى بتسمعني”.
حسين السيد: عفارم عليكي، بس دي مسؤولية يا نوجة! عايزة منك تخليهم يشوفوا بصوتك، اللي مش شايفينه بعنيهم”.
فأجابته نجاة بلهفة: “طيب فين التليفون بس؟”
غمز بعينه قائلا مبتسما: ” يا ستي، مش انت مش محتاجة تكلميه، الاغنية عنده خلاص وبيلحنها لك كمان. مفاجأة مش كده برضو؟”
لم تتمالك نفسها وقفزت كطفلة: “والمُصحف بتتكلم جد؟”
فأجابها حسين مبتسما: ” اه والمصحف الشريف بعتها له امبارح وعجبته جدا، ومن غير ما اقوله الاغنية كاتبها لمين قال لي هي دي بتاعة نجاة، مرسومة عليها رسم”.
في عام 1963م، غنت نجاة الأغنية بحب وإحساس حققا ما ألقاه حسين السيد من مسئولية على كاهلها، وحققت الأغنية نجاحا ساحقا فاق كل التوقعات، وكتب عنها النقاد كثيرا وطويلا. أغنية عشقها عشق يفوق الخيال، تكاد تكون الأغنية الوحيدة التي تراها وأنت تسمعها، بداية مبهجة ونهاية موجعة وفي الوسط دموع وآلام، والختام ساكن في قلبي وساكن قصادي وبحبه.

