عبد الحليم حافظ الفنان والانسان جدًا!
القاهرة … برلنتي عبد العزيز
كان للمطرب الراحل العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ، هواية غريبة يمارسها كلما شعر بضغط العمل والحياة. كان يركب سيارة قديمة هي أول سيارة اقتناها، ويلفّ بها شوارع القاهرة ليرفّه عن نفسه ويخرج من الكآبة التي تحاصر.
ذات يوم، كان العندليب يجوب شوارع القاهرة مختالا فرحا، حينما أوقفه شرطي اسمه حنفي عند تقاطع ميدان رمسيس وطلب منه أوراق العربية، فأصيب عبد الحليم بالصدمة لأنَّ الشرطي لم يعرفه. لكن حينما تجمهرت الناس حول السيارة، أدرك الشرطي هول الخطأ الذي اقترفه، وراح يعتذر من العندليب الأسمر، علّه يصفح عنه فسامحه الأخير فورا.
ومنذ ذلك الحين، صار العندليب الأسمر يلقي التحية على حنفي كلما ركب سيارته وجال فيها شوارع القاهرة، كما كان أحياناً يقصده ليشرب معه الشاي في أوقات استراحته، إلى أن نمت بينهما علاقة صداقة لطيفة مميّزة خالية من كل شيء له صلة بالمصالح الشخصية.

خلال واحدة من الزيارات، دعا حنفي العندليب إلى عرس ابنته، ليظهر إلى “أهل الحته” قربه منه. وافق عبد الحليم برحابة صدره المعهودة، وقال لصديقه: “ده عرس بنت أخويا يا حنفي … أنا حاجي ضروري”. ظنّ حنفي أنّ حليم يجامله في الكلام ولن يأتي، لكن عبد الحليم فاجأه في منتصف العرس، محضرا معه طقماً ماسيّا هدية للعروسة.
في عام 1977م، ولما سافر العندليب إلى بريطانيا في رحلة العلاج الأخيرة وتوفى هناك، أصيب حنفي بالاكتئاب واختلى بنفسه لأيام طويلة حيث ترك وظيفته في الشرطة، وانتبذ من أهله في كوخٍ من القشّ قرب قبر عبد الحليم، يقرأ له ما تيسّر من ذكر الله العزيز الحكيم.
في هذه الأثناء، كان الشاعر نزار قباني الصديق المقرّب من عبد الحليم حافظ يتنقّل بين بيروت والقاهرة في زيارات عمل متقطعة، لكنّه لم ينسَ يوماً صديقه وكان يزور قبره كلما قصد مصر، ليقرأ له فاتحة الكتاب. وفي إحدى المرات لفت انتباهه كوخ هذا الرجل قرب القبر، وسأل عنه فأخبروه قصته. بكى نزار متأثرا بحجم إخلاص هذا الرجل، وتذكّر اسمه جيدًا لأنّ حليم حمّله رسالة لهذا الرجل. دخل قباني الكوخ وعرّفه عن نفسه، وأخبره أنّه كان يبحث عنه منذ مدة طويلة لأنّ المغفور له حليم كتب له في آخر ساعات حياته في المستشفى الإنكليزي، وأوصاه بأن يوصل الرسالة المختومة إلى صديقه حنفي.

سحب نزار الظرف من جيبه وأعطاه لحنفي الذي فتحه بلهفة وبدأ بالقراءة، ثم انهار أرضاً ودخل بنوبة بكاء ونحيب عجيبين، فالتقط نزار الرسالة ليعرف ما فيها وما الذي دفع حنفي إلى البكاء بهذا الشكل الهستيري؟ وهنا كانت الصدمة! حيث كتب العندليب الأسمر إلى صديقه: “يا حنفي… قل لنواف سلام إنَّ طريقك إلى نزع السلاح … مسدودٌ … مسدودٌ … مسدودٌ يا ولدي! …”.

