الجاسوسة المصرية “سلطانة الغرام” حكمت فهمي … الجزء الثاني
كانت القاهرة فى الأربعينيات مدينة غريبة، تحمل عبق التاريخ مع اصالة عربية واضحة ولمحة اوربية، وكانت مصر آنذاك مسرحا لصراع الاستخبارات العالمية، الألمان من جهة يحاولون استمالة النفوس ضد الاحتلال البريطاني، والإنجليز من جهة أخرى يحكمون قبضتهم على الأرض بجيشهم الذى لا يُهزم في نظر الكثيرين، وبينهما كانت هناك وجوه عديدة بعضها مصرية، بعضها أجنبية، وأخرى اختارت أن تعيش على حافة الخطر من أجل المال أو المجد أو ربما وهج اللحظة، ومن بين تلك الوجوه سطعت نجمة راقصة اشتهرت في القاهرة بفتنتها وأناقتها ودهائها، وهي حكمت فهمى التي تحولت من فنانة تبهر العيون إلى جاسوسة كتب اسمها بين أشهر قضايا التجسس في الحرب العالمية الثانية.
القاهرة … سميرة عبد الله
ولدت حكمت فهمي عام 1907م بمحافظة أسيوط بمصر لأسرة صعيدية محافظة، لكنها منذ صغرها كانت تملك ميلا نحو الفن والاستعراض، وعندما انتقلت للقاهرة في شبابها، دخلت مجال الرقص الشرقي، وفى زمن كانت فيه القاهرة قبلة للفنانين والوجهاء والسياسيين على السواء، وجدت حكمت لنفسها مكانا بين نجمات شارع عماد الدين، حيث عملت في الحفلات وصارت معروفة بين رجال السياسة والدبلوماسيين، فكانت تجمع حولها نظرات الإعجاب وكلمات الإطراء، غير أن ما كان يُظن فنا ومتعة، كان في الحقيقة المدخل إلى عالم مظلم ليست له ملامح.
في تلك الفترة تحديدًا، كانت المخابرات الألمانية قد بدأت تبحث عن عناصر يمكنها خدمتها داخل مصر، فمصر وقتها تحت الاحتلال البريطاني، والقاهرة مليئة بالجنود والضباط الإنجليز، وكانت النوادي الليلية والمراقص أفضل مكان لاستدراجهم أو مراقبتهم، وهناك التقت حكمت فهمى بالضابط الألماني الشهير جون هاينز، أحد عناصر الاستخبارات الألمانية الذى جاء للقاهرة تحت ستار دبلوماسى، أعجب بها وبشخصيتها وبذكائها الاجتماعي، ورأى فيها أداة مثالية لتنفيذ عمليات مخابرات بلاده، فاقترب منها وأقنعها بالفكرة، مستغلا حماسها القومي وعداءها للاحتلال البريطاني.
وبالفعل، بدأت حكمت فهمي في نقل الأخبار والمعلومات، وكانت مهمتها الأساسية استغلال قربها من الضباط الإنجليز لنقل المعلومات بأدق تفاصيلها الى الألمان. إذ كانت تعيش حياة مزدوجة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، على خشبة المسرح كانت الفنانة الراقصة التي تبهر جمهورها بابتساماتها الآسرة وحركاتها المغرية التي ألهبت خيال المتفرجين. لكن، خلف الكواليس كانت هنالك امرأة أخرى تخوض أخطر لعبة في حياتها، تتعلق بالمصير والدماء والوطن.
حينها، كانت تدور حولها الشبهات بأنها على صلة وثيقة بضابط المخابرات الألماني الشهير يوهان أبلير، الرجل الذي وصل إلى القاهرة ليقود شبكة تجسس ضخمة لحساب النازيين، والذي كان يخطط لتمهيد الطريق لدخول قوات روميل إلى مصر والسيطرة على قناة السويس، وكانت حكمت فهمي في قلب هذه الدائرة المعقدة.
لم تكن علاقتها بالضابط الألماني أبلير مجرد صدفة عابرة، بل كانت بداية قصة تحمل الكثير من الغموض، فقد استخدمها كغطاء اجتماعي يمنحه الشرعية للتواجد في دوائر الطبقة الراقية بالقاهرة، بينما استغل منزلها كمقر يلتقي فيه برجاله، وهناك نسجت الخطط لإمداد قوات المحور بالمعلومات، وكان صوت الراديو السري يعلو أحيانًا من غرفتها مخترقًا صمت الليل وهو يرسل رسائل مشفرة إلى برلين.
لم تكن المخابرات البريطانية بعيدة عن هذه التحركات، فقد كانت تتابعها بدقة متناهية وتترصد خطواتها، وبدأت خيوط اللعبة تنكشف شيئًا فشيئًا عندما نجح البريطانيون في مراقبة أجهزة الإرسال التي تنطلق من قلب القاهرة، وتحديدًا من ضفاف النيل.
وبالرغم من أن حكمت فهمي كانت بارعة في التمثيل والإيهام، إلا أن الشكوك حولها أخذت تتزايد، فأصبحت تحت المجهر، وكل تحركاتها تكتب في تقارير مفصلة، حتى جاء اليوم الذي داهمت فيه القوات البريطانية منزلها لتكتشف وجود أجهزة لاسلكي ورسائل مشفرة تثبت تورطها مع شبكة الجاسوس الألماني أبلير.
وهنا انهار كل شيء، لم يعد هنالك مجال للهروب أو الإنكار، وتم القبض عليها لتدخل في واحدة من أكثر القضايا إثارة خلال سنوات الحرب العالمية الثانية، قضية كشفت عن حجم الحرب السرية التي دارت في مصر بين المخابرات البريطانية والألمانية.
ودخلت حكمت فهمي السجن، وهي تدرك أن حياتها قد انتهت، فلم تكن مجرد راقصة اتهمت بالتعاون مع الألمان، بل أصبحت الوجه الأشهر لشبكة جواسيس كادت تغير وجه التاريخ لو نجحت في تمرير معلوماتها، كان الإعلام المصري والبريطاني يكتب عنها بحذر شديد.
حكمت فهمي لم تكن شخصية عادية، بل امرأة من الوسط الفني الذي يعشقه الناس ويتابعونه، وأي فضيحة كانت قادرة على أن تهز الرأي العام كله. لكن، السلطات البريطانية تعاملت معها بصرامة شديدة، فالمسألة لم تكن شخصية وإنما أمنية وسياسية .
ورغم ذلك لم ينقطع الجدل حولها حتى بعد سقوطها، فهناك من رأى أنها مجرد امرأة انجرفت وراء علاقة عاطفية أغرتها بالمال والمكانة، وهناك من أصر على أنها كانت تدرك تمامًا ما تفعله وأنها لعبت دورًا خطيرًا في واحدة من أخطر المؤامرات التي عرفتها مصر في تلك الحقبة.
وظلت القضية تثير التساؤلات لعقود طويلة، هل كانت حكمت فهمي جاسوسة كاملة الولاء للنازيين؟ أم كانت ضحية خديعة أكبر من طاقتها؟ أم ربما كانت تلعب دورًا مرسومًا بتواطؤ من أجهزة أخرى؟
والاغرب هو ان الرئيس الراحل محمد أنور السادات تم ذكر اسمه أيضًا في ملف القضية وقتها أنه من ساعدها في التواصل مع الالمان. فكان بعض الضباط في الجيش وقتها يرون ان التعاون مع الالمان ضد المحتل الانجليزى هو افضل الحلول .
وقامت المخابرات العامة المصرية بعد ذلك بتدريس حكايتها والاستفادة منها وشرح الاساليب والطرق التي استخدمتها في جمع المعلومات وتمريرها للجانب الالماني بمنتهى الذكاء
ولكن، ما لا خلاف عليه أن اسمها ارتبط بمرحلة شديدة الحساسية في تاريخ مصر، مرحلة كان العالم كله فيها يحترق بنيران الحرب، وكانت القاهرة أرضًا خصبة لكل أجهزة المخابرات التي تتصارع على كسب النفوذ والسيطرة، وبين هذه الأجهزة وجدت حكمت فهمي نفسها في قلب المعركة، لتتحول من راقصة تلهب الخيال إلى متهمة بالخيانة والتجسس، ومن نجمة لامعة في سماء الفن إلى سجين ينتظر مصيره بين جدران مظلمة.
وهكذا بقيت قصتها واحدة من أكثر الحكايات المثيرة في سجل الجاسوسية خلال الحرب العالمية الثانية، حيث امتزجت الأضواء بالظلال، والشهرة بالخيانة، والحب بالموت، لتبقى حكمت فهمي ذلك الرمز المأساوي لامرأة اختارت الطريق الأخطر فسقطت في النهاية سقوطًا حرًا .

