صاحبة الجدل التي حرمت من لقبها الملكي
القاهرة … مينا ميخائيل جرجس
ولدت نازلي عبد الرحيم صبري في يوم الاثنين الموافق 15 يونيو/ حزيران سنة 1894 ، في قصر أبيها في الإسكندرية، ضاحية سان استيفانو ، وكان هذا القصر مجاورا لقصر محمد باشا سعيد ، رئيس الوزراء الأسبق ، والدها عبد الرحيم باشا صبري كان وزيرا للزراعة آنذاك، ينقل بين القاهرة والإسكندرية، مقره الاول كان قاهريا في سرايا مقابلة قصر عابدين.
بعدها انتقلت أسرة عبد الرحيم باشا الى قصر كبير في منطقة الدقي ، بحيث للقصر حديقة كبيرة، بها مجموعة من الأزهار والورود والنباتات والأشجار بديعة الخلاق، إذ كان والدها من هواة النباتات، لدرجة استراده أنواع نادرة منها ليضمها الى حديقته الفريدة .
والدة نازلي هي الهانم كريمة محمد باشا شريف ، الذى يرجع نسبه الى الأشراف ، وجدها لأمها سليمان باشا الفرنسي الذي جاء لمصر مع الحملة الفرنسية واعتنق الاسلام وبات قائدا ومدربا للجيش المصري ، وواصل مهمته حتى عصر سعيد باشا ( 1854 – 1863م ) وانخرط في المجتمع المصري ، ثم تزوجت احدى بناته بمحمد شريف باشا الملقب بأبي الدستور المصري فأنجب منها فتاة تزوجت من عبد الرحيم باشا صبري، وانجبا نازلي التي فيما بعد تزوجت من الملك فؤاد. مثمرا فاروق ، فوزية ، فائزة ، فائقة و آخر العنقود الأميرة فتحية.

الملك فؤاد الأول يكبر الملكة نازلي بـ 20 عاما ، ولهذا كان شديد الغيرة عليها يخفيها داخل جدران القصر و طوال الوقت يعين جواسيس قصره لمراقبتها ، حتى هناك إشاعات تفيد أنه كان يعذبها ، وظل الوضع على ما عليه حتى توفي الملك فؤاد في إبريل / نيسان عام 1936، حينها
شعرت الملكة نازلي بالحرية لأول مرة في حياتها بعد عيشتها و حبسها طويلا داخل قصرها الملكي .
حرية جريئة و مطلقة لنازلي بعد وفاة الملك فؤاد فى في جميع المجالات خاصة جهدها و ديبلوماسيتها في تولى إبنها البكر فاروق للعرش ، حيث كان فاروق عند وفاة والده لم يبلغ السن القانونية التي تمكنه من تسلم كامل لسلطاته الشرعية ، حيث عينت لجنة وصاية عليه كان يرأسها أبرز الطامعين في الحكم وقتها الأمير محمد علي توفيق ، الأمر الذي دفع بالملكة نازلي لخلق فتوى من الإمام المراغي بأنه يجوز للإنسان أن يتصرف في أمواله عندما يبلغ 15 عاما من عمره ليتسلم فاروق حكم البلاد وهو في عمر 17 فقط و18 هجريا طبقا للدستور الذي ينص على احتساب التقويم الهجري ، هذا فضلا عن مساندة احمد باشا حسنين للملكة و إبنها.
سنة 1935 أصبح لولي العهد فاروق التلميذ رائدا في بعثته الدراسية إلى لندن، و هو أحمد حسنين باشا وكان عمر فاروق 15 عاما، وخلال الرحلة توطدت العلاقة بين فاروق وحسنين باشا إلى حد كبير، وبعد سبعة أشهر تحديدا، عادت البعثة إلى مصر دون إتمام الدراسة، بسبب وفاه الملك فؤاد.
التقرب الملفت لأحمد حسنين باشا إزاء فاروق و خاصة بعد وفاة الملك فؤاد كان من ضمن خططه للتقرب من الملكة نازلي خاصة بعد الفراغ الفظيع الذي عاشته وتعيشه آنذاك، و نجح في أن يجعلها تقع في غرامه ، علما أن بعد رحيل زوجها فؤاد انطلقت نحو سراديب متاع الدنيا والحياة ومباهجها وإفراطها فيها بشكل هيستيري، ما أدى إلى التصادم بين فاروق وأمه مرارا و تكرارا، وهذا ما انتهزه أحمد حسنين باشا في تلك الفترة و ظهر للملكة بمظهر الجنتلمان الرقيق الذي يجيد مخاطبة النساء و التعامل معهن والفارس والمغامر والمخلص أيضا.
وقتها فقط ارتبطت الملكة نازلي بعلاقة عاطفية مع أحمد حسنين استمرت لما يقارب التسع سنوات ، الى ان توفى في حادث سيارة .

في تلك الفترة الملكة نازلي تأكدت من علاقة حسنين باشا مع إسمهانذ لم تصبر عليها طويلا ، وبدافع الغيرة والإنتقام فقررت ان تطرد اسمهان من مصر، وبالفعل اتصلت بحسين سري باشا رئيس الوزراء ووزير الداخلية والذي تولى عملية تنفيذ القرار، مبلغاً أسمهان بأن إقامتها في مصر انتهت وأن عليها أن تغادر خلال أسبوع، ليصيبها هذا القرار الخطير بالجزع والحزن الشديدين ولم تجد من يقف بجانبها سوى الصحفي الكبير صديقها محمد التابعي الذي تمكن بصداقته لكبار المسؤولين أن يوقف تنفيذ هذا القرار، وتجددت إقامتها مرة أخرى في مصر ، و بعد فترة وجيزة تزوجت الملكة نازلي من أحمد حسنين باشا و لكن عرفيا.
وظلت الملكة نازلي هي زوجة أحمد حسنين عرفيا حتى تاريخ وفاته في 19 من فبراير 1946، أثر اصطدام لوري تابع للقوات البريطانية بسيارته على جسر قصر النيل.
هذا وقد تسببت الملكة نازلي في عديد المواقف و الأزمات مخلفة وراء ذلك ألاما نفسية عميقة لابنها، على سبيل ذلك وفي سنة 1942 اشتد الخلاف بينها وبين الملك فاروق بسبب علاقتها بأحمد حسنين ، فسافرت إلى القدس ونزلت في فندق الملك داود ، وهناك انتشرت القصص عن فضائحها مع رجال مختلفين من العرب والأجانب.

وسافر النحاس باشا وقرينته زينب هانم إلى القدس بطلب من الملك فاروق و هما يحاولان إقناع نازلي بالعودة إلى مص، فوافقت بشرط أن تستقبل في محطة مصر استقبالا ملكيا رسميا، وأن يكون الملك نفسه في استقبالها على رصيف المحطة، ووافق فاروق على مطالبها كلها، بعد رفضه و غضبه منها، ناهيك عن الفضائح التي نشرتها الصحف الأجنبية عن نزوات الملكة الأم. والتي كانت تصل إلى السياسيين والصحفيين في القاهرة، وكانت من أكبر الأسباب و أعظمها في تصدع النظام الملكي في مصر فيما بعد.
سافرت نازلي بعدها إلى أوروبا، وقد قررت اللاعودة مجددا إلى مصر لكى تعيش على حريتها و بشكل مفرط ، وصلت إلى مارسيليا وقابلت رياض غالى الذي كان أمينا للمحفوظات بقنصلية مصر في مارسيليا ، والذي كلف رسميا ليكون في خدمة الملكة، غيرانه وفى فترة قصيرة جدا تحول من مجرد مرافق الى عشيق، ظل يلازمها ليل نهار، فأخذته إلى كاليفورنيا ليقيم معها بشكل قانوني، بعد جولة سويسرا و فرنسا و المملكة المتحدة
في كل حين، تصل إلى مصر أنباء الفضيحة الجديدة فطلبت وزارة الخارجية من رياض غالى العودة إلى عمله في مارسيليا فرفض، حينها قررت الوزارة إحالته إلى التقاعد، فاستبقته نازلي في خدمتها بهيئة سكرتيرها الخاص كما عوضته أضعاف مرتبه.
وانتشرت بعد ذلك في العالم كله أنباء أكبر فضيحة حسب ما دونته الصحافة الأمريكية والأوروبية بأن رياض غالى المغامر المسيحي القبطي أصبح العاشق للملكة الأم والأميرة فتحية أصغر بناتها، و في الوقت ذاته كانت هذه العلاقة غير الشرعية أو الشاذة بداية النهاية المأساوية لقصة ملكة مصر الأولى.
كان رياض غالى الشاب المسيحي الوسيم في الثلاثين من عمره ، حكى بنفسه بداية علاقته بالملكة نازلي في حديث مع الراحل جميل عارف لمجلة المصور نشرته في عدد 7 يناير/ كانون الأول سنة 1971 حيث صرح بأن طيلة إقامة الملكة وابنتها الأميرة فتحية والأميرة فائقة في مارسيليا لم أحظ بمقابلتهن ، وفى صبيحة يوم سفر الملكة استدعاني القنصل وكلفني بحمل البريد الذى ورد باسم الملكة إلى جناحها في الفندق ، فدعتني الملكة للجلوس وسألتني عن اسمى وأسرتي وعملي وثقافتي، عندما وصلت إلى دار القنصلية علمت أن الملكة اتصلت بالقنصل ليتخذ الإجراءات القانونية لمرافقتها إلى أمريكا.
بدأت الأنباء تتردد في أوروبا ووصلت إلى الشارع المصري، عن علاقة الملكة الأم بعاشق جديد، ومن جنيف وصل تقرير سرى إلى فاروق في 25 أكتوبر/ تشرين الثاني 1946: مفاده أن الملكة نازلي سافرت إلى جنوب فرنسا، وتسليمها كل أموالها لرياض غالى، مع حريته التصرف فيها.
وهذه بعض خطوات الملكة نازلي حسب برقيات السفارات المصرية في الخارج:
نيس 3 نوفمبر/ تشرين الثاني 1946: شوهدت الملكة نازلي مع رياض غالى في المعرض، وكانت تتحدث معه بغير كلفة، واشترت روائح عطرية مختلفة، وكانت تضع بعضها على أنفه ليشم الرائحة،
باريس 17 نوفمبر/ تشرين الثاني 1946: وصلت الملكة نازلي إلى هنا وحجزت غرفة لرياض غالى في فندق بلانتزا أتينيه بجوار جناحها.
باريس 20 نوفمبر 1946: كان رياض غالى يصطحب الملكة نازلي في ذهابها إلى الخياطات لشراء الفساتين الجديدة.
باريس 22 نوفمبر/ تشرين الثاني 1946: شوهدت الملكة نازلي في مسرح الكازينو دو بارى ومعها رياض وكان يجلس بينها وبين الأميرة فتحية ، وبعد ذلك خرجوا إلى مطعم في الحي اللاتيني وتناولوا العشاء.
باريس 27 نوفمبر/ تشرين الثاني 1946: شوهد رياض غالى ففي البنك يودع فيه مبلغا طائلا باسمه، كما شوهد في اليوم ذاته يقود سيارة ومعه الملكة والأميرتان.
جنيف 7 أبريل/ نيسان 1947: لوحظ أن الملكة تتناول إفطارها في الفندق يوميا مع رياض غالى وهو الحاكم بأمره في الحاشية الملكية، ويبدى أفراد الحاشية استياءهم لنفوذه الذى يزداد وسيطرته الكاملة على الملكة،
جنيف 27 أبريل/ نيسان 1947: قالت الملكة نازلي في حواراتها إنها إذا خيرت بين رياض غالى فاروق فإنها تختار رياض غالى.
لندن 7 مايو/ آيار 1947: قالت الملكة نازلي اليوم إنها لا تريد العودة إلى مصر لأن جلالة الملك يشك في رياض غالى.
لندن 8 مايو/آيار 1947: ستهاجر الملكة نازلي إلى أمريكا مع عروض مناصب كبيرة في شركات مالية وصناعية في أمريكا لرياض غالى وأنه يستطيع أن يكون مليونيرا إذا أراد، ولكنه فضل خدمتها.
لندن 11 مايو/ أيار 1947: تصريحات البوليس السرى المكلفين من طرف السفارة بأن يتولوا حراسة الملكة نازلي بأن رياض غالى هو المتصرف في شئونها، وأن الأميرتين قبل سفرهما مع الملكة لم تكونا لتستطيعا شراء أي شيء إلا بإذنه وموافقته، وعندما كان يمرض رياض غالى كانت الملكة هي التي تقوم برعايته.
فى منتصف مايو/ أيار 1947 هاجرت الملكة نازلي إلى أمريكا ، واستقال رياض غالى من عمله في وزارة الخارجية ليتفرغ للملكة وابنتها فتحية وأقام معها في فيلا اشترتها نازلي في بيفرلي هيلز في هوليوود أرقى أحياء أمريكا، و هناك أجريت لها ثلاث عمليات جراحية إحداها لاستئصال الكلى اليمنى.
وصلت التهديدات إلى أسرة رياض غالى، ورفضت السفارة المصرية في واشنطن تجديد جواز سفره، وفى أوائل مايو/ أيار 1950 عقد الزواج المدني في سان فرانسسكو بين رياض غالى والاميرة فتحية. حينها طلب فاروق أن تنشر الصحف قصة هذا الزواج بالتفصيل وعدم حذف أي شيء فيها، كما أمر مجلس البلاط برئاسة الأمير محمد على بالاجتماع الطارئ للنظر في أمر الملكة الأم والأميرة وخلص برفض زواج فتحية من رياض وتجريدها هي وأمها الملكة نازلي من امتيازاتهما الملكية، مع مصادرة أملاكهما وأموالهما في مصر. وفى يوم 9 ديسمبر 1976 أطلق رياض غالى الرصاص على الأميرة فتحية وقتلها بعد فشله التام في كل ما بقدم عليه، ناهيك عن إدمانه الخمر والمخدرات، محاولا في ذلك الانتحار بإطلاق الرصاص على رأسه، ولكنه لم يمت وحكم عليه بالسجن 15 عاما، ومات رياض غالى، ثم ماتت الملكة نازلي عام 1978 وعمرها 84 سنة بعد صراع طويل مع المرض، حيث أصيبت بالعضال في نهاية أيامها وشفاها الله منه، فاعتقدت الملكة أن ممرضتها المسيحية هي السبب في شفائها، فاعتنقت الكاثوليكية في عام 1965، وهو العام نفسه الذي رحل فيه ابنها الملك فاروق في إيطاليا.

دفن الثلاثة وهم نازلي و رياض و فتحية فى إحدى مقابر الصدقة في كلڤر سيتي بكاليفورنيا Garden of the Holy Cross Cemetery ، فقد ماتوا على المذهب المسيحي الكاثوليكي، بعد أن خسروا ثرواتهم وعاشوا حياة الفقر.


