قصة صالح الحداد وزوجته نرجس
دمشق … ميرنا خليل
في قديم الزمان ومدينة بعيدة كان هنالك شخصً يُدعى صالح ابن قمر الدين. كان رجلا بسيطا، يعمل في الحدادة بورشته الصغيرة التي ورثها عن والده قمر الدين، وكانت هي مصدر رزقه الوحيد.
كان صالح يُعرف بطيبة قلبه وكرمه، يحب مساعدة أهل مدينه ويعامل الجميع بالحُسنى وبما يُرضي خالقه. أما زوجته نرجس، كانت امرأة جميلة ولكنها كانت طمّاعة ومتسلطة ومتهورة. حيث كانت لا ترى في حياتها المتواضعة ما يُرضي أحلامها وتطلعاتها. فقد كانت تطمح لحياة القصور والترف، وكانت ترى عمل زوجها في الحدادة على أنَّه شيء تافه وغير مفيد ولا يستحق الجهد والعناء.
وذات ليلة، وبينما كانت نائمة، حلمت نرجس بأنها تعيش في قصر كبير مزين بالذهب والفضة والأحجار النفيسة، يخدمها الخدم والحشم، وترتدي أثمن الثياب وأروع المجوهرات، وهي تأمر وتنهي وكل طلباتها مستجابة. وفي الصباح استيقظت نرجس وهي مصمّمة على أن تغير حياتها كلها، مهما كلفها الأمر، ولو كان ذلك على حساب زوجها صالح.
وفي أحد الأيام، وبينما كانت نرجس زوجة صالح ابن قمر الدين الحداد تتجول في سوق المدينة، رأت رجلاً ثرياً يُدعى الأمير فخر الدين. كان يمتطي حصاناً أسود اللون، وخلفه الحدم والحشم ويرتدي ملابس أنيقة فاخرة مزينة بالفضة والاحجار الكريمة والتي تدل على عِظم ثروته وممتلكاته ومكانته وأصله النبيل الراقي.
وحين وتمعنت فيه جيدًا، أدركت أنَّه ذلك الرجل الذي سوف يُجسد تطلعاتها وسيُحقق أحلامها، غير أنَّها لم تكن تعلم أنَّ وراء ذلك الرجل أسرارا مظلمة لا يعلمها إلا خالقه عز وجل.
وبدافع الطمع والفضول، ذهبت نرجس في صباح اليوم التالي إلى الساحرة العجوز ليال والتي كانت تعيش في قلب الغابة على حدود الجهة الشماليى الغربية للمدينة. يُقال عن الساحرة ليال أنَّها تستطيع تغيير مصائر الناس بالسحر والشعوذة وجعلهم سعداء. وعندما وصلت نرجس إلى كوخها المظلم، طلبت منها بأن تُفسد حياة زوجها صالح الحداد وتدمرها حتى تتمكن من الزواج بالأمير فخر الدين فارس أحلامها.
ضحكت الساحرة ليال بخبث وقالت: كل ما تطلبينه سوف يتحقق، ولكن كل شيء وله ثمن. والثمن يا عزيزتي الجميلة سيكون باهظًا أيتها الفاتنة الماكرة، هل أنتِ مستعدة لدفعه؟ دون تردد، قدّمت ليلى كل ما تملك من مجوهراتها، وكانت مستعدة لفعل أي شيء للوصول إلى هدفها. لكن، في الوقت نفس، كانت لدى الساحرة ابنة شابة تُدعى جميلة، فتاة طيبة القلب تكره أفعال والدتها الشريرة. كانت جميلة قد سمعت حديث نرجس، فنصحتها قائلة: اتقي الله في زوجك، واعلمي أن الشر لن يجلب لكِ سوى الندم.
لكن نرجس لم تُنصت إليها، بل أمرت الساحرة ليال بإكمال ما بدأتْه. صنعت الساحرة تعويذة شريرة، وأمرت نرجس بإخفائها في ورشة زوجها صالح ابن فمر الدين.
وفي صباح اليوم التالي، قامت نرجس بوضع التعويذة في ورشة زوجها صالح دون أن يشعر. وبعد أيام قليلة، بدأت المصائب تتوالى على صالح المسكين. تعطلت أدواته، وابتعد الزبائن عنه، وأصبح يعاني من الفقر والديون، دون أن يعلم لماذا وكيف ومتى حصل كل هذا.
في تلك الأثناء، بدأت نرجس تُظهر استياءها من الحياة مع زوجها الذي صار فقيرًا، وأخذت تُصر على طلب الطلاق. حاول صالح زوجها الحفاظ على زواجه، لكنه في النهاية وافق على تلبية مطالبها بعد أن يئس منها. ومن تصرفاتها.
وبالفعل، تزوجت نرجس من الأمير فخر الدين بفضل التعويذة، وعاشت معه حياة الترف التي طالما حلمت بها. لكن لم يمضِ وقت طويل، حتى اكتشفت أنَّه كان رجلاً قاسياً، لا يهتم إلا بمظهرها وجمالها.
أما صالح، فقد جلس ذات مساء وحيدا، يُفكر في مصائبه، عندما رأى بومة تقف على شجرة قريبة منه، وكأنَّها تهمس له بأن يبحث عن الحقيقة قبل فوات الأوان. فقرر صالح الذهاب إلى الشيخ الحكيم تقي الدين في المدينة لعل وعسى أن يجد عنده الحل. عندما سمع الشيخ تقي الدين قصته، قال له: يا بُني، الشر لا يدوم أمام قوة الإيمان. الجأ إلى الله، وداوم على قراءة القرآن في ورشتك، وسيفرج الله همومك.
استمع سالم إلى نصيحة الشيخ تقي الدين، وبدأ يقرأ القرآن في ورشته كل يوم، ويدعو الله أن يرفع عنه البلاء. وبعد أيام، مرضت الساحرة مرضا شديدا، ولم يتمكن أحد من علاجها. وفي لحظاتها الأخيرة، نادت ابنتها جميلة وقالت لها: اذهبي إلى صالح الحداد زوج نرجس، وقولي له بأنَّ هنالك تعويذة في ورشته تسببت في مصائبه، يجب حرقها فورًا.
ذهبت جميلة إلى صالح الحداد في اليوم التالي، وأخبرته بكل شيء. بدأ يبحث عن التعويذة في ورشته حتى وجدها مخبأة تحت طاولة الحدادة، فتخلص منها على الفور.
وما إن فعل ذلك، حتى عادت ورشته للعمل، وبدأت حياته تعود إلى طبيعتها. وفي اليوم التالي، قرر صالح زيارة الساحرة ليشكر ابنتها على مساعدتها، لكنه وجدها قد فارقت الحياة، ووجد جميلة تبكيها بحرقة وهي بجوارها.
فعزاها صالح، وسألها إن كانت تحتاج إلى أي مساعدة، ثم انصرف. ومع مرور الأيام، بدأ صالح يشعر بأن جميلة فتاة طيبة تستحق التقدير والحب والاحترام، فتقدّم لخطبتها ووافقت، وتزوجا.
وفي أحد الأيام، بينما كان صالح الحداد يعمل في ورشته، اكتشف بابا سريا خلف الفرن لم يكن قد لاحظه من قبل. وعندما فتحه، وجد صندوقاً خشبياً قديماً. وعندما فتحه، وجد بداخله قطعاً ذهبية، ورسالة من والده الراحل قمر الدين كتب فيها: “لقد خبأت هذا الكنز لك، لأنني كنت أعلم أنَّك ستحتاجه يوماً ما، لكنني لم أردك أن تعثر عليه إلا إذا كنت صالحا قادرا على تقدير قيمته.”
فرح صالح بهذا الاكتشاف، وكان الذهب كافيا لتوسيع ورشته وبدء حياة جديدة. مرت الأيام، وازدهرت أعماله، واستعاد مكانته في البلاد كلها، وأصبح رمزاً للعمل الجاد والرضا بما قسمه الله.
وفي أحد الأيام، بينما كان عائدا من السوق، رأى نرجس زوجته السابقة تجلس في الشارع، ثيابها ممزقة، وعلامات التعب بادية على وجهها. اقترب منها وسألها عمّا حدث، فقالت وهي تبكي: “بعدما فقدت جمالي، بدأ الأمير فخر الدين يعاملني بجفاء واحتقار، وفي النهاية طلقني وطردني من القصر. خسرت كل شيء، والآن أعيش في الشوارع أطلب المساعدة من الناس”. ثم نظرت إليه برجاء، وقالت: “هل يمكنك أن تسامحني؟ أريد العودة إلى ما كنت عليه”.
نظر إليها سالم بحزن وقال: “لقد سامحتك منذ زمن، لكن لا يمكنني أن أعود إليك، فقد تزوجت امرأة طيبة القلب تعرف قيمة الرضا والبساطة. لكن إن احتجتِ مساعدة، يمكنك القدوم إلى الالورشة، وسأساعدك بما أستطيع”.
تركها سالم ومضى في طريقه، بينما جلست نرجس تبكي ندمً. وهي تدرك متأخرة بأنَّ الطمع قد حطم حياتها، وأنَّ الرضا هو مفتاح السعادة الحقيقية.
ومنذ ذلك الحين، تحولت قصة الحداد إلى درس يتناقله أهل القرية، وأصبح الجميع يُرددون بأنّ القناعة كنز لا يفنى، والطمع يهدم صاحبه. وعاش سالم مع زوجته جميلة حياة سعيدة، مليئة بالحب والرضا، بينما بقيت نرجس تجوب القرى والأحيائها نادمة على كل ما فعلته.

