التقط نفسه الأخير في الإرهابي
القاهرة … سميرة عبد الله
عشق الكاميرا من أول نظرة فعشقته، وسامته وخفة ظله وطيبة قلبه جعلته من ألمع نجوم الشاشة الفضية، أدواره نظيفة ومحترمَة، وتنوعت بين الكوميديا والتراجيديا والبطولية وحتى الاجتماعية. تزوج بفنانتين وسيدتي مجتمع راقتين، قام ببطولات رياضية وفنية تستحق الذكر والإشادة بها، عاش أبًا صالحًا لأولاده وأولاد زوجاته، حرم شادية من الأمومة خوفا عليها، وأحب زهرة العلا من أول لقاء فني بينهما، رغم زواجه من سيدة مجتمع راقية وحبه الشديد لها، ورحل عن عالمنا دون جوان صلاح ذو الفقار، وهو يقوم بالمشهد ما قبل الأخير في فيلم الإرهابي.
نشأته
ولد صلاح الدين أحمد مراد ذو الفقار في ناحية المحلة الكبرى بمصر في 18 يناير/كانون الثاني عام 1926م، من عائلة مقتدرة ومثقفة، حيث كان والده من أكبر الضباط في عهد المملكة المصرية وأشهرهم، برتبة أميرلاي أو أميرال أو ما يُسمى بعميد، إلى أن تمَّ به الأمر إلى مفتش بوزارة الداخلية كآخر منصبٍ له. وكان أصغر أشقائه الذكور ممدوح، عزالدين، كمال، ومحمد، أما الشقيقتين فلا يُذكر أسميهما. طفولته مرحة ومريحة، عاشها بكل لحظاتها الجميلة، مرحلة دراسته أيضا كانت جيدة ومتفوقة، غير أن تعلقه بمصر الجديدة وترك الأصدقاء فيها كان مؤلمٍا نوعًا ما. بعد السنة الثانية ابتدائي انتقلت الأسرة من مصر الجديدة إلى العباسية، وهي من أرقى وأقدم الأحياء المصرية في القاهرة. ليتحصل صلاح الدين على الثانوية العامة بتقديرٍ جيد، من ثانوية فاروق الأول التي تحمل اليوم اسم ثانوية العباسية النموذجية، الذي منحه الدخول إلى كلية الطب ولكن في مدينة الإسكندرية، التي كانت رغبة والده المُلحة، كون جده كان طبيبًا مشهورا.
بدأ صلاح مباشَرة دراسته بكلية الطب بجامعة الإسكندرية، ولكن ضمير والده كان يعذبه، حين يرى ابنه الأصغر والمدلل بعيدا مغتربا في الإسكندرية، لم يستمر صلاح الدين في دراسة الطب بسبب مرض والده كما كان كثير الغياب أيضا، لم يتحمل عبء السنة وقررت إدارة الجامعة أن يُعيد العام. حينها طلب منه والده الذي توفي بعد أيام وجيزة، التخلي عن حلمه ومنحه اختيار أي تخصص آخر شرط أن يكون بجانه في القاهرة. واختار صلاح الدين الالتحاق بكلية الشرطة، وحظي بقبول واستقبال جيد بفضل سمعة والده النظيفة اللامعة ونزاهته في أداء واجبه الوطني. وبطبيعة الحال دون أن يتوسط أو يتدخل في دراسته إطلاقا.
وبعد سنوات الدراسة المحفوفة بالتميز والاجتهاد، تعيَّن مباشرة في منطقة شبين الكوم التابعة للمنوفية. ليتم تحوله كضابط كفء بسجن ثرى بالقاهرة، ليتم تعيينه مباشرة مدرسًا بكلية الشرطة، لما له من خصال حميدة ونزاهة وذكاءٍ وفطنة. كما كان أيضا شغوفا بالملاكمة، الذي أتقنها على يد المدرب الملاكم المشهور البطل المصري محمد رجب، كذلك كان لاعبًا موهوبا في كرة القدم، إذ شارك بموهبته الرياضية في عديد البطولات التي كانت تُنظمها كلية الشرطة آنذاك.
محاسن الدف أم مساوئها
دخول صلاح الدين عالم الفن كان بمحض الصدف لا غير، بما ان أشقائه كانوا يعملون بمجال الفن والتصوير والاعلانات، كان يلازمهم أماكن التصوير وزيارتهم المتكررة. إلى أن جاءت اللحظة الفاصلة في حياته وغيرت مجرى سيرانها نحو عالم الأضواء والشهرة والمجد. وهذا حين عرض عليه شقيقه الفنان عز الدين ذو الفقار دور ضابط في فيلم عيون سهرانة سنة 1955م مع الجميلة الراحلة شادية. وهذا بعد إذن وزارة الداخلية الذي قوبل بالتأييد، وبطبيعة الحال مساندة شقيقه الذي كان أيضا ضابطا في الحربية.
في سنة 1956م، قام صلاح الدين بدور ضابط شرطة في فيلم رُد قلبي باسم الشهرة والمتمثل في صلاح ذوالفقار مع مريم فخر الدين، شكري سرحان، حسين رياض، زهرة العلا، فردوس محمد وأحمد مطهر الذي كان أيضا ضابطا ملتحقًا بالحربية، الفيلم لقي نجاحا باهرًا، خاصة أنه جاء ليعزز الثورة المصرية بعد سقوط مملكة فاروق الأول.
ومع كل هذه الشهرة الجماهيرية في مصر والوطن العربي لم يترك صلاح ذو الفقار كلية الشرطة، إلا حين توفي عميد كلية الشرطة، الذي كان يعتبره صلاح الأب الروحي له، فاستقال من منصبه وحظي بمعاش 30جنيهًا شهريا، واعتزل الدنيا لفترة وجيزة، ليلتحق نهائيا بعالم الفن والسينما بطلب والحاح من أشقائه. رغم زملاء دُفعته أصحوا فيما بعد وزراء للداخلية من بينهم زكي بدر وأحمد رشدي والنبوي إسماعيل.
عمل صلاح ذو الفقار ما بين سنتي 1957 و1959 بمجلس الفنون براتب شهري قدره 100 جنيه مصري، وهو مبلغ كبير نسبة لتلك الفترة. كما عمل في الانتاج السينمائي مع أخيه عز الدين ذو الفقار، وقام بأعمال ناجحة مثل فيلم الرجل الثاني وفيلم بين الأطلال، لينطلق فيما بعد إلى الشهرة بأدواره المميزة الخالدة، كعيسى العوام في فيلم الناصر صلاح الدين الأيوبي، الذي أحب فيه المحاربة الصليبية الأوسبيتالية لويز التي قامت بتجسيد الدور الجميلة الراحلة ناديا لطفي، ومراتي مدير عام مع شادية وفيلم أغلي من حياتي وعفريت مراتي وفيلم الأيادي الناعمة مع ليلى طاهر وصباح ومريم فخرين وأحمد مظهر، ومسلسل عائلة شلشـ، ورأفت الهجان، أما أهم مسرحياته هي مسرحية رصاصة في القلب، والتي كانت أول مسرحية يقوم ببطولتها سنة 1964م، وتوالت عيله المسرحيات كمسرحية روبابيكيا، أما آخر أعماله المسرحية فكانت من خلال عرضه لمسرحية زوجة واحدة تكفي سنة 1975م، بالمختصر المفيد صلاح ذو الفقار فنان محترم جدا وأعماله راقية جدا.
تأسيس شركة انتاج الأعمال الفنية والسينمائية جاءت بعد رحيل شقيقه عز الدين ذو الفقار، والتي أضافت الكثير للفن المصري والعربي، أعمال هادفة تعالج القضايا الاجتماعية وتعطي البدائل لحلها، خاصة فيلم شيء من الخوف الذي لم يُمثل فيه ببطولة شادية ومحمود مرسي ويحي شاهين.
حياة صلاح ذو الفقار الشخصية كانت حياةً هادئة مع أنه تزوج أربع مراتٍ، أولى زيجاته كانت من الأرملة السيدة نفيسة هانم بهجت سنة 1947م، وأنجب منها أحمد الذي يعمل الآن كمهندس، ومنى التي تعمل كمحامية. ولم يفكر صلاح في الزواج أو الارتباط رسميا ثانية إلا عندما توفيت السيدة نفيسة هانم بهجت، رغم زواجه سرًا من إحدى الفنانات.
ـ أما الزوجة الثانية فكانت من نصيب الفنانة زهرة العلا، أثناء تصوير فيلم رُد قلبي، خاصة في مشهد الزواج حينها عرض عليها الزواج الحقيقي فوافقت دون تردد، وتم هذا الزواج دون علم أحد وخاصة زوجته نفيسة هانم. وتم الطلاق بعد سنة فقط من زواجهما. رغم الطلاق إلا أنهما استمرا في العمل سويًا وقدما فيلم جميلة مع الفنانة ماجدة الذي يصور الثورة الجزائرية وكفاحها.
ـ الزوجة الثالثة كانت من نصيب الفنانة شادية، بعد انفصال شاديا من زوجها عماد حمدي نتيجة الخلافات الكثيرة تخص الأعمال الفنية والعقود وما شابه ذلك، وغيرته عليها أيضا. الزواج بيننها تم بعد حب متبادل دام قترة من الزمان، خلالها توجت أعمالهما بالنجاح والشهرة واحتلالهما المراكز الأولى في شباك التذاكر لأعوام معتبرة. إلا أن الخلافات المستمرة أدت إلى الانفصال سنة 1973م، ومن أهم أسباب الطلاق، رفضه بأن تكون الفنانة شادية أمًا، جراء اجهاضاتها المتكررة، رغم التزامها الشديد بالتعليمات الطبية، وهذا خوفا على حياتها فقط لا أكثر.
أما الزوجة الرابعة والأخيرة من السيدة بهيجة هانم مُقبل، والتي رافقته إلى حين فَرَّقُهُما الموت، السيدة بهيجة هي نفسها جدة الفنان شريف رمزي والتي كانت قبل زواجها منه أمًا لبنتين الذي كان صلاح ذو الفقار يعتبر نفسه أبًا حقيقيا لهما.
بداية النهاية
بدأ التعب ومختلف الأمراض تغزو كيان صلاح ذو الفقار، خاصة أن حالته الصحية تستدعي إجراء عملية القلب المفتوح. غير أنه لم يقُم بتنفيذها، واختار القيام بفيلم الإرهابي بطولة عادل إمام، مديحة يسري، شيرين، حان شوقي وماجدة زكي، وأثناء تصوير المشهد ما قبل الأخير وتحديدا في يوم 22 ديسمبر/كانون الأول، أصيب صلاح ذو الفقار بأزمة قلبية حادة أدت إلى فراقه. رحل إلى دنيا الحق، تاركا 250عملا فنيا متنوعا كرصيد للفن العربي.

