قسنطينة … بقلم الفنان حاتم قندوزي
ليس من السهل أن يعرف الإنسان نفسه … فقبل أن يتعلم كيف يختار، يكون قد تعلّم كيف يُرضي … يكبر وهو يسمع ما ينبغي أن يكونه، أكثر مما يسمع ما يمكن أن يكونه … تتشكل شخصيته وسط النصائح والإرشادات والتوجيهات وحتى أعقد التوقعات، وأصعب الأحكام، ليغدو السؤال الأصعب في حياته: أيّ الأفكار تنتمي إليّ حقًا، وأيّها ورثتها دون أن أشعر؟
عمومًا، نحن لا نعيش في فراغ، فالمجتمع ضرورة، وآراء الآخرين جزء من التجربة الشخصية والتنشئة الإنسانية. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه الآراء من مرآة لا نستفيد منها إلا بقفص مُسيج بالأعراف والتقاليد.
عندها يسأل الإنسان ويتساءل مجددًا: ماذا أريد؟ وماذا سيقول الناس عني؟ وكأن قيمة القرار لا تُقاس بمدى صدقه، بل بمدى قبوله. لتأتي وسائل التواصل الاجتماعي وتمنح له توقعات بصوت أعلى. لم نعد نقارن أنفسنا بمن حولنا فقط، بل بآلاف القصص والصور التي تعرض النجاح في أجمل صوره، والسعادة في أكثر لحظاتها اكتمالًا.
يرى جلن النتائج ولا يرون الطريق، بما فيها الابتسامات والحوافز والقرارات المضنية دون رؤية التعب والوهن اللذين سبقها. ومع مرور الوقت، سيصبح من السهل الظن أن الحياة بلا معنى وتفتقد إلى ما يسندها ويساندها …
لا لأنها كذلك، بل لأنها عكس تمامًا ما يظهر على الشاشات. الحقيقة هنا، أن الإنسان يفقد جزءً من ذاته من كيانه، وكلما عاش سعيًا إلى إعجاب الآخرين زادت المعاناة والاغتراب … فالحياة التي تُبنى على التصفيق تظل رهينته، وتنهار إذا غاب أو تلاشى. أما تلك التي تُبنى على القناعة، فلها جذورًا أعمق من أن تقتلعها الآراء العابرة.
ولعل أكثر ما يرهق الإنسان ليس الفشل، بل محاولته المستمرة في البحث عن شخص مختلف ولا يشبهه. كأن يحظى بالاهتمامات، ويسلك طريقًا اختاره له غيره، وأن يؤجل أحلامه خوفًا من حكم مؤقت لا يدوم. وما أقسى أن يكتشف المرء، بعد سنوات طويلة، أنه نجح في تحقيق توقعات الجميع، إلا توقعاته هو.
وبالتالي، الحرية لا تعني رفض الآراء، ولا العيش بمعزل عن المجتمع، بل أن يمتلك المرء الشجاعة الكافية للتمييز ومواجهة ما فُرِض عليه. أن يصغي للآخرين دون أن يفقد صوته، وأن يتقبل اختلافه دون الشعور بالحاجة إلى الاعتذار. وإن عجزنا عن إسكات أصوات الأخرين، يمكننا على الأقل منعها من أن تكون أعلى من صوت ضمائرنا الواعية.
في الختام يمكن القول أن الشجاعة قصيرة على أن تُعاش بالنيابة عن الآخرين، وأثمن ما يملكه الإنسان ليس إعجاب الناس به، بل أن يعيش حياةً حين ينظر إليها في نهايتها، يشعر أنها كانت حياته هو، لا حياةً كُتِبت له وأدى دورها بثبات وإتقان …


