قسنطينة … بقلم الفنان حاتم قندوزي
الأمان … هو أن يجد المرء مكاناً لا يحتاج فيه إلى التنكر أو الاختباء. هنالك مشاعر مشتبكة وكثيرة يبحث عنها طوال مشواره في هذه الدنيا … بما فيها الحب، النجاح، الانتماء، التقدير … لكنه غالبًا ما يعتقد أن الأمان يتقدمها جميعاً، لأنه الشعور الذي يمنح بقية المشاعر معناها الحقيقي.
كم جميل لو يجد المرء شخصاً يمكنه التحدث أمامه دون مراجعة الكلمات ألف مرة، والانفعال دون أن يخشى سوء الفهم، وأن يُعبّر عن حزنه وقلقه وارتباكه دون أن يشعر بأنه أصبحت عبئاً أو مملا. أن يكون عفوياً، بتناقضاته وأخطائه وتقلباته، دون أن يضطر إلى ارتداء أقنعة ليحافظ على مكانته في قلب أحدهم.
الأمان ليس أن يجد المرء توأمه، أي شخصاً يتوافق معه أو يوافقه في كل شيء، ولا أن يعيش علاقة خالية من الخلافات والاختلافات … بل أن يعرف، حتى في لحظات الاختلاف، أن كرامته ومشاعره لن تكونا موضع تهديد، وأن الخلاف العابر لن يتحول إلى عقاب أو التشكيك في قيمته. إنه ذلك الإحساس النادر الذي يجعله يتوقف عن مراقبة ذاته طوال الوقت. لذا، عليه ألا يحسب عدد الكلمات، وألا يخفي ضعفه، وألا يتصنع القوة حين يكون في أمسّ الحاجة إلى الاحتواء.
كذلك، على المرء أن يدرك أن الطرف الآخر لا يحب الصورة التي يقدمها له فحسب، بل يتسع صدره أيضاً للأجزاء التي لا يعرف كيف يتصالح معها في نفسه. ولعل أجمل وصف لهذا الشعور ما كتبه الشاعر المصري فاروق جويدة، حين قال: “فألقاك أمنًا إذا عاد خوفي يعانق خوفي ويحنو عليه”.
يا لها من صورة بديعة! أن يجد المرء من لا يحاول إسكات خوفه أو التقليل منه، بل يستقبله برفق، كأن خوفه ليس عيباً ينبغي إخفاؤه، بل جزء منه يستحق أن يُفهم ويُحتضن. في عالم يطالبه باستمرار بأن يكون أقوى، وأكثر نجاحاً، وأكثر اتزاناً، وأكثر قدرة على إخفاء ضعفه، يصبح وجود شخص يستطيع أمامه أن يكون على حقيقته امتيازاً إنسانياً نادراً.
ربما لا يحتاج المرء في نهاية المطاف إلى شخص ينقذه من العالم بقدر ما بحاجة إلى شخص لا يشعر معه بأنه في معركة دامية ومستمرة مع نفسه. فالأمان الحقيقي ليس أن يجد المرء من يمنع عنه كل مخاوف الحياة، بل أن يجد من لا يجعله يخاف من أن يكون هو لا غيره …


