قرطاج … نجم الدين الطرابلسي
رغم حضورها القوي في السينما التونسية، إلا أن المرأة ظلت لسنوات طويلة بعيدة عن العمل في الفن السابع كتقنية أو كمخرجة. وانحصر دورها في بعض النساء المتمردات على القيود الأسرية اللواتي اتبعن حلمهن في أن يصبحن ممثلات.

هذه الأيام، تحتفي تونس بمئوية السينما التونسية، التي تعود أولى تجاربها مكتملة النضوج إلى العام 1922م. حين أنجز رائد السينما التونسية المخرج ألبير شمامة شيكلي أول فيلم له بعنوان “الزُهرة” وفيه يصور عادات وتقاليد القبائل التونسية عبر نسائها اللواتي استقبلن شابة فرنسية نجت بأعجوبة من غرق سفينة لتقيم بينهن فترة من الزمن وتكتشف طبيعة عيشهن وآلامهن وخيبة آمالهن والعادات والتقاليد التي تنظم حياتهن.
حضرت المرأة بهيئتها الخام في هذا الفيلم بكل تفاصيلها الواقعية، بدءً من ملبسها ولهجتها وانتمائها وأمنياتها إلى سلوكياتها اليومية. على عكس ما تبرزه المخرجات التونسيات اللاتي نظرن إلى المواضيع التي طرحنها في أفلامهن بجرأة كبيرة وكانت بعض أعمالهن مختلفة ومجددة ومثيرة للجدل.
واجهت السينما التونسية منذ تسعينات القرن الماضي اتهامات بأنها سينما نمطية وأسيرة مواضيع معينة في أغلبها سير ذاتية. واتهم البعض هذه السينما بأنها شديدة الانفصال عن الواقع التونسي وتقدم صورة موغلة في الإباحية أو المأساوية والخيال وربما أيضا المثالية، وتتهم أغلب الأعمال بأنها لم تنقل صورة شبيهة بواقع المرأة المثقفة والمسؤولة والحرة دون تشدد يمينا أو يسارا، لكن بعد ثورة يناير/ كانون الثاني سنة 2011 أصبحت السينما التونسية ماردة قوية وكسرت الصور النمطية السلبية كما أعادت الجمهور النافر منها إلى صالات العرض من جديد.
تعد مفيدة التلاتلي 1947 ـ 20211، واحدة من أبرز المخرجات، التي لا يمثل دخولها إلى المجال تحدّيا للمجتمع الذكوري فقط بل أيضا تحديا لعائلتها المحافظة. فبعد دراستها بأحد أشهر معاهد السينما بفرنسا في اختصاص التركيب اشتغلت مع مجموعة من أهمّ سينمائيي تونس والعالم العربي، ثم خاضت تجاربها الذاتية التي سارت عكس التيار، فهي لم تحقق النجاح الباهر بعد تراكم التجربة وإنما تحقق ذلك من خلال فيلمها الروائي الطويل الأول “صمت القصور” لسنة 1994 والذي حازت به جائزة الكاميرا الذهبية في مهرجان كان السينمائي والتانيت الذهبي في أيام قرطاج السينمائية، ثم صنف من بين أفضل مئة فيلم في السينما العربية ككل.
فيم جريء كسر تلك الصورة النمطية عن المرأة في السينما التونسية، وكان بمثابة إعلان عن ولادة جديدة لنجمة متألقة في سماء السينما التونسية هي مفيدة التلاتلي، كما قدم النجمة هند صبري التي صارت اليوم إحدى أيقونات السينما المحلية وحتى العربية، وهي مدافعة شرسة أيضا عن تحرير المرأة في تونس وخارجها. ومن الأسماء المهمة الأخرى في الإخراج السينمائي أيضًا، تأتي المخرجة سلمى بكار، التي بدأت أولى تجاربها في الإخراج منذ العام 197م5 بفيلم “فاطمة”، ثم اتجهت لللإنتاج لتكون منذ العام 1990م أول منتجة تونسية للأفلام السينمائية.
يمكن التطرق إلى تجربة كوثر بن هنية التي تعد واحدة من أشهر المخرجات التونسيات، وتعود بداياتها إلى العام 2004 مع الفيلم القصير “الخرق” إلى أن أخرجت في العام 2020 فيلم “الرجل الذي باع ظهره” فكان نقلة نوعية في مسيرتها، ونال عددا من الجوائز ورشح لجائزة الأوسكار، ومنذ ذلك الحين تشغل بن هنية عضوية لجان تحكيم في أشهر المهرجانات السينمائية ومنها مهرجان القاهرة السينمائي وغيره.

