حياة بريجيت باردو … الجزء السادس
في عام 1973م، وبرصيد فني يضاهي الـ 48 فيلمًا وأكثر من 70 أغنية في مسيرة فنية امتدت لما يقرب من 21 عامًا، أنهت النجمة بريجيت باردو مسيرتها التمثيلية لتكرس نفسها لحقوق الحيوان، وأسست مؤسسة بريجيت باردو. وبفضل نشاطها، نجحت بشكل ملحوظ في فرض استخدام مسدسات الصعق الكهربائي في المسالخ، وفي الحصول على حظر من الرئيس الفرنسي فاليري جيسكار ديستان على استيراد جلود الفقمة إلى فرنسا. وهو إجراء، بفضل جهودها، تم توسيعه بعد بضع سنوات ليشمل جميع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. كما عارضت الصيد أيضًا. التفاصيل معي أنا راندا سالم من باريس.
باريس … راندا سالم
في باريس، قدّم وكيل أعمال النجمة بريجيت باردو سيناريو فيلم “قصة كولينو مُدبر القميص”. كانت نينا كومبانيز، التي كانت بريجيت باردو معجبة بها، هي مؤلفة السيناريو ومخرجته، مع فرانسيس هوستر في دور كولينو. ورغم موافقتها على المشاركة في الفيلم، قالت للمخرجة بأنَّ لا قيمة لها الآن!
وتم تصوير فيلم “كولينو”، الذي جسدت فيه دور سيدة قصر من العصور الوسطى، في ريف بيريجورد. في أحد المشاهد، رأت بريجيت امرأة عجوزًا تمسك بعنزة صغيرة مربوطة بحبل. اقتربت منها لتداعبها، فأخبرتها المرأة أنَّ الحيوان مُعدٌّ ليُطهى كخروف مشوي كامل في قداس حفيدها يوم الأحد التالي. شعرت بريجيت باردو بالرعب، فاشترت العنزة، ووضعتها في عربتها المتنقلة، وعادت بها إلى فندقها في سارلا في ذلك المساء. وضعتها في غرفتها مع الكلب الصغير الذي تبنته مؤخرًا.

كان لهذا الحادث أثرٌ كبير في قرارها اعتزال التمثيل. تُظهر اللقطة الأخيرة من فيلمها الأخير، وهو الفيلم الثامن والأربعون في مسيرتها الفنية، بريجيت وهي تحمل حمامة، رمزًا ينبئ بحياتها المستقبلية المكرسة للحيوانات.
وفي السادس من يونيو عام 1973م، عن عمر يناهز الثامنة والثلاثين، وأثناء تصوير فيلم “قصة كولينو تروس-شيميز الجميلة والمرحة” في منطقة بيريجور، قررت بريجيت باردو إنهاء مسيرتها السينمائية لتكريس نفسها لرعاية الحيوانات. لم تعد تحب مهنتها، وكانت قد أنقذت للتو عنزة صغيرة في موقع التصوير من الموت الرحيم.
بدت لها مهنة التمثيل بلا معنى، زائدة عن الحاجة، سخيفة، وعديمة الجدوى. رأت نفسها في مرآة غرفة الملابس بملابسها المزخرفة، وتنانيرها المزركشة، وكل تلك الضجة. تساءلت ما الذي تفعله وهي ترتدي هذا الزي. عندما شعرت برغبة جامحة في التوقف، كانت تلك العنزة الصغيرة هي الشرارة. اتخذت قرارها في لحظة. شعرت بسخافة بالغة، وبغباء شديد. لقد كانت الأفلام تُثير أعصابي منذ فترة طويلة، وفي لحظة، قررت التوقف.
خلال عشاء مع طاقم العمل، أعلنت أنَّ فيلم “قصة كولينو مُدبر القميص”. سيكون الأخير لها. كان هنالك صحفيون من صحيفة فرانس سوار على الطاولة. تساءل الجميع عما إذا كانت قد أكثرت من الشرب. لا بد أنهم ظنوا أنها مجرد نزوة. لكنها انتهت. انتهت تمامًا.” وتمسكت بقرارها بصفة نهائية.
ولم تعد بريجيت باردو أبدًا إلى موقع تصوير فيلم، على الرغم من العروض العديدة التي تلقاها وكيلها بعد ذلك، مثل عرض تمثيل فيلم مع مارلون براندو مقابل مليون دولار أمريكي.
مع ذلك، أعربت عن اهتمامها بإمكانية اقتباس رواية ألبرت كوهين، “جميلة السيد”. وصرحت لصحيفة “لوموند”: “سأصنع فيلمًا واحدًا أخيرًا، لكن يجب أن يكون خياليًا. لهذا السبب سأكون حريصة جدًا في اختيار السيناريو”. وفي عام 1975، أعلنت رسميًا اعتزالها النهائي.

صنعت بريجيت باردو حوالي 48 فيلمًا، ولم تكن لها حياة خاصة بسبب الصحافة، ولأنَّها كنت تصنع فيلمًا تلو الآخر باستمرار. كانت حياتها مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالسينما. حيث كانت هنالك أوقات استمتعت فيها بالتمثيل، لكنه لم يكن شغفها أبدًا، ولم تكن ممثلة بالفطرة. وحسب قولها أنَّ الممثلات الحقيقيات لا يتوقفن عن التمثيل أبدًا.
تلاحظ بريجيت باردو بعد اعتزالها الفن أنَّ الجمهور، وخاصة الشباب، قد تابع التزامها الجديد بحقوق الحيوان. فلم تتلقَّ قط الكم الهائل من الرسائل كما تتلقاه بعد الاعتزال، حتى في أوج مسيرتها المهنية، ففي وقت فيلم “La Vérité” أو غيره من الأفلام المهمة، لم تتلقَّ هذا الكم الهائل، حقائب بريدية كاملة ممتلئة، ورسائل عديدة من شباب تتراوح أعمارهم بين سبعة وعشرين عامًا. ربما لا يعرفون اسمًا واحدًا من أفلامها. لا يعرفونها من خلال السينما. فعندما تذكر اسم B.B. أمامهم، لم يعد الأمر مرادفًا للنجمة أو رمز الإثارة، بل لحماية الحيوان. لطالما كان هذا الشغف متأصلًا في داخلها، ولطالما أحبت الحيوانات ودافعت عنها، لكن لم يكن لدها الوقت الكافي.
في عام 1982م، عادت بريجيت باردو، في سابقةٍ استثنائية، إلى استوديو التسجيل لتسجيل أغنيتين أخيرتين، إهداءً للحيوانات: “Toutes les bêtes sont à aimer” (جميع الحيوانات تستحق الحب) و”La Chasse” (الصيد).
في عام 1986م، بعد تسعة عشر عامًا من تسجيلها، وافقت على السماح لسيرج غينسبورغ بإصدار نسختهما غير المنشورة سابقًا من أغنية “Je t’aime… moi non plus”، بشرط التبرع بالأرباح لمنظمات رعاية الحيوان. حققت الأغنية، التي غنتها جين بيركين في هذه الأثناء، نجاحاً وفضائح ورقابة عند إصدارها عام 1969م.
على مدى سنوات، بذلت بريجيت باردو قصارى جهدها لتحسين حياة الحيوانات مستخدمةً مواردها الخاصة. وبصفتها متحدثةً باسم جمعية منع القسوة على الحيوانات والمعروفة باسم (SPA)، أطلقت نداءاتٍ نيابةً عن الكلاب المهجورة. ولتعزيز قضيتها، تعاونت مع آلان بوغران-دوبورغ.

