حياة بريجيت باردو … الجزء الخامس
علاقات عاطفية عابرة، نجاحات سينمائية نادرة، احباطات فنية متكررة، قرارات مصيرية متسرعة، انهيارات عصبية مدمرة، نكسات نفسية مستمرة وأفلام مثيرة ولكنها خالدة … هكذا كانت وعاشت النجمة العالمية الجميلة بريجيت باردو فترة الستينيات من القرن العشرين إلى أن استقرت ماديا ومعنويًا بدءً من السبعينيات من القرن العشرين. بينما تبدو دوافع النجمة العالمية بريجيت باردو لاختياراتها السينمائية غامضة على نحو متزايد، فإنَّ قائمة الأفلام التي رفضتها تثير المزيد من التساؤلات. التفاصيل معي أنا من باريس، راندا سالم.
باريس … راندا سالم
بدأت النجمة الجميلة بريجيت باردو علاقة عاطفية جديدة مع الموسيقي البرازيلي بوب زاغوري، الذي قضت معه عطلة طويلة في ريو دي جانيرو بالبرازيل. فور وصولها في 8 يناير سنة 1964م، هربت من المصورين وعزلت نفسها في شقتها هربًا من الحشود وأعمال الشغب التي أثارها وصولها. تكهّن الصحفيون باحتمالية زواجها وقدرتها الدبلوماسية على المساعدة في تهدئة التوتر الناجم عن “حرب جراد البحر” بين البرازيل وفرنسا آنذاك.
بعد ذلك، شاركت النجمة بريجيت باردو في فيلم كوميدي جريمة بعنوان “Ane ravissante idiote”، المقتبس من رواية تشارلز إكسبريات وإخراج إدوارد مولينارو. كذلك، عُرض عليها دور قصير لمدة يومين في فيلم أمريكي بعنوان “Cher Brigitte” (عزيزتي بريجيت)، وهو فيلم يُكرّمها ويُشيدُ بها، من بطولة جيمس ستيوارت.

في يونيو سنة 1964م، أطلقت جوزفين بيكر نداءً لإنقاذ ممتلكاتها في منطقة بيريجور، قصر ميلاند، حيث ربّت جميع أطفالها. تأثرت بريجيت باردو بشدة بمحنة الراقصة، وشاركت في إنقاذها من خلال توجيه نداء متلفز نيابةً عنها.
في هذه الأثناء، أراد لويس مال أن تلعب دور البطولة أمام جان مورو في فيلم غربي ضخم الإنتاج، يُصوّر في المكسيك بعنوان “فيفا ماريا!”. وأوضح وكيل أعمالها أنَّها فرصة العمر، ووسيلة لإثبات للعالم أنَّها أكثر من مجرد جميلة، وأنَّها مختلفة تمامًا عن الصورة النمطية السائدة في غرف الأخبار.
كان القرار صعبًا، لكن كان على النجمة بريجيت باردو أن ترتقي إلى مستوى التحدي. فقبول جان مورو كشريكة لها في البطولة، وأن تنجح في مضاهاتها في تقدير الجمهور. في 28 سبتمبر عام 1964م، احتفلت بريجيت باردو بعيد ميلادها الثلاثين. أرسلت مجلة “باري ماتش” أحد أبرز مراسليها وأفضل مصوريها. كذلك، استغلت الصحافة العالمية الحدث وكتبت: “بريجيت باردو تبلغ الثلاثين!”.
قبل سفرها إلى المكسيك، قضت عيد الميلاد في بوزيوس، وهي قرية في البرازيل، مع شريكها البرازيلي، بوب زاغوري. ومنذ ذلك الحين، شهدت بوزيوس نفس الحماس الذي شهدته سان تروبيه، وامتناناً لذلك، أقام البرازيليون تمثالا على صورتها، نحتته كريستينا موتا.
بدأ تصوير فيلم “فيفا ماريا!” في أواخر يناير عام 1965م في مكسيكو سيتي. وبعد بضعة أشهر، عُرض الفيلم رسميًا في نيويورك ولوس أنجلوس. وخلال الحملة الترويجية في هاتين المدينتين، سألها صحفي: “ماذا ترتدين للنوم؟” فأجابت: “أحضان حبيبي”.
حقق فيلم “فيفا ماريا!” نجاحًا باهرًا، وأشاد النقاد بالإجماع بأداء الممثلة القديرة بريجيت باردو. إذ طغت على جان مورو. فبينما كانت جان مورو رائعة، إلا أنَّ بريجيت باردو كانت مبهرة في دورها كشخصية ثائرة، ويجب القول إنَّها خطفت الأضواء من زميلتها.
واستعان بها لويس مال مرة أخرى لأداء دور ويليام ويلسون في فيلم “حكايات الغموض والخيال” لإدغار آلان بو. شاركها البطولة آلان ديلون، وتم تصوير الفيلم في روما خلال ربيع عام 1967م، وقد لاقى أداؤها وهي مرتديةً شعرًا مستعارًا بنيًا ومُعرَّضةً للجلد من قِبل ديلون استحسانًا نقديًا واسعًا. ثم ظهرت في مشهد قصير في فيلم غودار “Masculin féminin”، قبل أن تقوم ببطولة فيلم “À cœur joie” مع لوران تيرزيف، من إخراج سيرج بورغينيون.
رفضت النجمة الفرنسية دور فتاة بوند في فيلم “في خدمة جلالتها السرية”، مصرحةً يأنَّ أفلام جيمس بوند رائعة، لكن ليس معها. بالرغم من إصرار وكيل أعمالها وزوجها، غونتر ساكس، الذي تزوجته عام 1966م، على قبولها الدور في فيلم “قضية توماس كراون” مع ستيف ماكوين، ورغم عرض مليون دولار عليها، ظلت بريجيت باردو متمسكة بقرار رفضها للدور، والذي مُنح لاحقاً لفاي دوناواي.
وفي هذه الأثناء، كانت تُحضّر لما سيُعرف لاحقاً باسم “عرض باردو” لسدّ الفجوة بين عامي 1967 و1968. وقد قام عدد من أشهر مُلحّني ذلك الوقت بتأليف أغانٍ خصيصاً لها لتغنيها ولترقص عليها أيضًا.
ورغم انقطاع التواصل بينهما، وافقت بريجيت باردو على تقديم فيلم “باتوك”، من إنتاج غونتر ساكس، في الليلة الختامية لمهرجان كان السينمائي عام 1967م. لدى وصولها، استقبلها الجمهور بحفاوة بالغة، مما أدى إلى ازدحام غير مسبوق. وسط حشود المصورين والمعجبين، شقت الممثلة، التي لا تزل تبتسم، طريقها برفقة حراس الأمن إلى قصر المهرجانات، في آخر ظهور لها في هذا الحدث.
بعد ذلك بوقت قصير، سجلت بريجيت باردو أغاني “لو سولاي”، و”هارلي ديفيدسون”، و”جو تيم… موا نون بلس”. والأغنية الأخيرة كانت عبارة عن دويتو مع سيرج غينسبورغ، بالإضافة إلى “كوميك ستريب” و”إيفريبودي لوفز ماي بيبي”. وبعيدًا عن علاقتهما الفنية، انجذبت الممثلة والمغنية إلى سحر الرجل.

بالنسبة للنجمة بريجيت باردو، الجمال شيءٌ قد يكون مغريا لفترة من الزمن. قد يكون لحظة إغراء. لكن الذكاء والعمق والموهبة والحنان، هي أمورٌ أهم بكثير وتدوم لفترة أطول بكثير. وبناءً على نصيحة وكيل أعمالها، لتجنب فضيحة عالمية من شأنها أن تشوه صورتها بسبب ساكس، طلبت من سيرج غينسبورغ عدم إصدار أغنية “Je t’aime… moi non plus” واستبدالها بأغنية ثنائية أخرى، “Bonnie and Clyde”.
ثم جاء موعد رحيلها إلى إسبانيا. في أغنية سيرج غينسبورغ “Initials B.B.”، تنطق البطلة اسم ألميريا، مكان انفصالهما الأخير، حيث ذهبت بريجيت باردو لتصوير فيلم “شالاكو”. في البداية، رفضت بريجيت باردو هذا الفيلم الغربي الأمريكي من إخراج إدوارد دميتروك وبطولة شون كونري، أقنعها وكيل أعمالها في النهاية، لكن عدم اهتمامها بالتصوير جعلها تتأخر غالبًا عن موقع التصوير، الأمر الذي أزعج المخرج. عُرض الفيلم لأول مرة عالميًا في ميونيخ في عيد ميلاد النجمة العالمية بريجيت باردو، واعترفت بأنَّها لم تفهم القصة، التي وجدتها بلا معنى. وعلى مستوى شباك التذاكر العالمي، فشل الفيلم، وكانت معظم المراجعات سلبية.
في الوقت ذاته، كان فرانسوا تروفو يستعد لتصوير فيلم “حورية المسيسيبي”، الذي أرادت فيه النجمة بريجيت باردو أداء دور البطولة النسائية، لكن المخرج فضّل كاثرين دو نوف. لم يحقق الفيلم نجاحًا، وعند عرضه، صرّحت بريجيت باردو بأنَّها سعيدةٌ جدًا بفشل الفيلم، لأنَّه سُرق منها بطريقةٍ دنيئة.
في بداية السبعينيات من القرن العشرين، قبلت الممثلة العالمية بريجيت باردو “النساء” و”الدب والدمية”. الفيلم الأول، من إخراج جان أوريل، وهو فيلم منخفض الميزانية تم تصويره في مواقع حقيقية، وشاركها البطولة فيه موريس رونيه. إذ لم يلقَ الفيلم استحسان النقاد، وكان فاشلًا تجاريًا وفنيًا. أما فيلم “الدب والدمية”، حيث كان جان بيير كاسيل شريكها، وهو إلى حدٍ ما يُشبه فيلم “وخلق الله المرأة” في سبعينيات القرن الماضي.
وكالعادة، وبناءً على نصيحة وكيل أعمالها والذي كان قلقًا من قلة العروض التي تتلقاها النجمة بريجيت باردو، وافقت الممثلة الجميلة على بطولة فيلم “Les Novices”، وهو فيلم كوميدي شاركت فيه البطولة مع آني جيراردو. عند عرضه، تلقى الفيلم آراءً متباينة. فقد وجده البعض مسليًا، بينما كتب آخرون عنه بأنَّهُ فيلم بلا هدف … بلا معنى … بلا مستوى.
كما صوّرت بريجيت باردو فيلم “Boulevard du Rhum”، من إخراج روبرت إنريكو، حيث لعبت فيه دور ليندا لارو، نجمة سينمائية من عشرينيات القرن الماضي، ومعبودة وحب البحار كورنيليوس الذي لا يُنال، والذي جسّد دوره لينو فينتورا. تغني فيه بريجيت باردو أغنية “Plaisir d’amour” في دويتو مع غي مارشان وتقدم آخر عروضها الكوميدية الرئيسية بعد عرض “L’Ours et la Poupée”.
دون أن تعرف الكثير عن موضوع الفيلم، وافقت النجمة بريجيت باردو على بطولة فيلم “Les Pétroleuses”، وهو فيلم كوميدي من إخراج كريستيان جاك تم تصويره في إسبانيا، والذي وافقت كلوديا كاردينالي على أدائه بشرط أن تشاركها البطولة. لم تلتقِ المرأتان مجددًا لمدة 23 عامًا، في حفل أقيم في مسرح الإمبراطورية في شارع واغرام، نظمه جاك شيراك عام 1994م، لتقديم وسام مدينة باريس.
أدى الفشل النسبي لفيلم “Boulevard du Rhum”، على غرار نجاح فيلم “Les Pétroleuses” إلى عدم اكتراث بريجيت باردو. ثم اختيرت الممثلة لتكون النموذج لتمثال ماريان، الموجود في قاعات المدن في جميع أنحاء فرنسا. وبقبولها، أصبحت الممثلة الشهيرة أول ممثلة تُجسد ملامحها رمزًا فرنسيًا. تم إنشاء التمثال النصفي بواسطة النحات أصلان.

بينما تبدو دوافع الممثلة لاختياراتها السينمائية غامضة على نحو متزايد، فإن قائمة الأفلام التي رفضتها تثير المزيد من التساؤلات. مثال على ذلك: ــ مع المخرج جاك ديمي في “مظلات شيربورغ” و”فتيات روشفور” (1964، 1967) م.
ــ مع المخرج آلان كافالييه في “لا شاماد”، سنة 1968م.
ــ مع المخرج نورمان جويسون في فيلم “قضية توماس كراون”، سنة 1968م.
ــ مع المخرج لوتشينو فيسكونتي في “الغريب”، والذي اقتبس أيضاً رواية مارسيل بروست. كذلك، في فيلم “بحثاً عن الزمن الضائع”، راغباً في أن تؤدي دور أوديت دي كريسي. ولتبرير هذا الرفض، التي توحي بأنَّها كانت تُخرب مسيرتها المهنية.
خلال هذه الفترة (1968-1973)، لم يحقق سوى فيلم “العاملات” نجاحا. كان فيلم روجر فاديم “دون خوان 73″، الذي شاركت فيه البطولة مع موريس رونيه وروبرت حسين وماثيو كاريير وجين بيركين، فاشلا آخر. وقد أثبت التصوير صعوبته بالنسبة لها، بل وتسبب في بعض الخلافات، كما شهدت جين بيركين لاحقا.

