القاهرة … سميرة عبد الله
ولدت سعاد محمد المصري في 2 فبراير 1926م، ببلدة تلة الخياط في بيروت، لأم لبنانية وأب من أصول مصرية هاجر من محافظة أسيوط في صعيد مصر إلى لبنان بحثًا عن رزقه الذي ضاق به في المحروسة. وقد ورثت سعاد منه جمال الصوت حيث كان يجيد الإنشاد الديني. والموشحات.
عشقت الطفلة الموهوبة سعاد الغناء في عمر السابعة، واستمعت إلى نغمات العود من نسيب عائلة والدتها الموسيقى الأستاذ محيي الدين سلام وهو والد المطربة الراحلة نجاح_سلام. والذي كان أنداك، رئيسًا للدائرة الموسيقية بالإذاعة اللبنانية، فأعجب بصوتها ودربها على الغناء والعزف على العود واصطحبها إلى منزل الفنانة صباح ليسمعها الشيخ زكريا أحمد، وقد أثنى كثيرًا على صوتها.
ومع مرور الوقت ذاع صيت الشابة سعاد محمد فغنت فأحيت الأفراح والليالي الملاح والحفلات المدرسية والجمعيات الخيرية، كما كانت البداية أيضًا مع غناء الموشحات بإذاعة دمشق، لتنتقل إلى مدينة حلب حيث صقلت موهبتها في مدينة الطرب والفن والغناء، فأتقنت القدود الحلبية. فتعهدها الملحن محمد محسن ليفتح لها أبواب المجد والشهرة.
كان رحيلها إلى القاهرة خطوة مهمة على طريق الشهرة، فسافرت إلى بصحبة أخيها الأكبر مصطفى في عمر الثانية عشر، لتنطلق في مسيرتها الفنية وتشارك في عمر السابعة عشر بفيلم “ماجدة” عام 1943م مع الراحلة ماري كويني والراحل محسن سرحان.
بعد ذلك، رشحتها المنتجة السيدة آسيا داغر لبطولة فيلم “فتاة من فلسطين” عام 1948م، من إنتاج الفنانة عزيزة أمير، وهو أول فيلم عن القضية الفلسطينية في تاريخ السينما العربية.
نجاحها في فيلم “فتاة من فلسطين” زاد من شهرتها، لتؤدي البطولة في فيلم “أنا وحدى” عام 1952م، وغنت فيه مجموعة من أغانيها الشهيرة مثل:
ــ فتح الهوى الشباك.
ــ القلب ولا العين.
ــ مين السبب في الحب؟
ــ أنا وحدي.
ولسبب غير معلوم، أنهت سعاد محمد مشوارها السينمائي، واكتفت بالغناء، واكتفت من السينما بتقديم أغنيات مدبلجة لبطلات أخريات مثل أغانيها في فيلم “الشيماء” ومن أشهرها “إنك لا تهدى الأحبة والله يهدى من يشاء”، كما شاركت بالغناء في الفيلم النادر “شهيدة الحب الإلهي”، عن قصة حياة رابعة العدوية، وفيلم “بمبة كشر” عام 1974م من بطولة وإنتاج الفنانة القديرة نادية الجندي.
تعاونت سعاد محمد خلال مشوارها الغنائي مع عدد من كبار الشعراء والملحنين والمؤلفين، قدمت بفضل ذلك، أكثر من ألف أغنية فى الإذاعات العربية وبالأخص المصرية والسورية واللبنانية والأردنية.
وهبها الله تعالى بنقاء الصوت وقوته، فكان صوتها كما يصفه النقاد أحد من السيف وأنقى من بريق الماس، ومن أشهر أغانيها على الغطلاق:
ــ أوعدك.
ــ وحشتني.
ــ فتح الهوا الشباك.
ــ من غير حب.
ــ مظلومة.
ــ قصيدة “انتظار، إذا ما الصبح نادانا وبالأنوار وافانا”.
ــ أنا هويت وانتهيت. لسيد درويش.
لحن لها عمالقة الفن والتلحين والتأليف، منهم:
ــ محمد القصبجى.
ــ زكريا أحمد.
ــ رياض السنباطى.
ــ بليغ حمدى.
ــ محمد فوزى.
ــ محمد سلطان.
ــ محمد_الموجى.
ــ الموسيقار فريد الأطرش. والذي أهداها أغنيته الشهيرة “بقى عاوز تنساني”.
حرص الموسيقار فريد الأطرش على وجود الفنانة سعاد محد في حفلات الربيع التي يشارك فيها، ورغم إعجاب موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب بصوتها وإشادته به فلم يلحن لها أي أغنية، وقال مقولته الشهيرة: كل ما أجي ألحن لها لحن يقولولي يا حامل يا ولدت”.
بعد رحيل كوكب الشرق سيدة الغناء العربي أم كلثوم، عهد إليها إمبراطور القصائد العربية رياض السنباطي بغناء قصيدة “انتظار”، من كلمات الدكتور إبراهيم ناجي، وهي القصيدة التؤام للإطلال، وكان من المفترض أن تغنيها أم كلثوم لكن الموت حال دون ذلك، ولم يجد السنباطي بين مطربات ذلك الوقت من تستطيع أن تغنيها بعد أم كلثوم إلا سعاد محمد، وبالفعل غنتها، لكنها لم تبلغ شهرة ونجاح أم كلثوم. وهذا ما آثار استغراب السنباطي، فهي رغم قوة الصوت وصدق الأداء لكن يبدو أنَّ الجمهور لم يتلقاها جيدًا في الليلة التي أنشدت فيها المطربة سعاد محمد القصيدة.
العندليب عبد الحليم حافظ هو الآخر، أثنى كثيرا على صوت سعاد محمد، عندما طلب منه الإعلامي الراحل طارق حبيب معرفة رأيه في مطربات عصره، لكنَّه أكد أن يستغرب تمامًا من أن صوتها الجميل القوي لا يصل للجمهور، وأنَّ هنالك شيئا لم يضع يده عليه لمعرفة هذا السبب.
أما الفنانة الكبيرة سميرة أحمد بطلة فيلم “الشيماء”، فتقول أنَّها كانت تشاهد المطربة الكبيرة سعاد محمد وهي تغني أغنيات الفيلم بصدق وإخلاص وإيمان شديد، فكانت سميرة أحمد تنظر إليها ثم تنطلق في تجسيد المشهد الغنائي الذي تؤديه. لذا لم يلاحظ الناس أنَّها تحرك شفتيها فقط، بل تغني بالفعل، وقد شدت في هذا الفيلم بمجموعة من الأغاني، أشهرها:
ــ يا محمد.
ــ حسبه الله معك.
ــ وجريحاه.
ــ كم ناشد المختار ربه.
ــ رويدكم.
تزوجت سعاد محمد ثلاث مرات:
ــ الأولى، من الشاعر الكاتب الصحفي محمد على فتوح عام 1951م، وكان راعيها الأول وله دور كبير في مسيرتها الفنية وألف لها أكثر من 140 أغنية، وتطلقا بعد 10 سنوات وأنجبت منه ستة أبنــاء وبنات، من بينهم المطربة الكبيرة “نهاد فتوح”.
ــ الثانية، من المهندس المصري محمد بيبرس عام 1961م، ورُزقت مـنه بأربعة أبناء وابتعدت عن الفن لانشغالها بتربيتهم.
ــ الثالثة، من رجل أعمال لبناني لم تُرزق منه بأطفال وتطلقا قبل وفاتها بقليل.

الفنانة والمطربة الكبيرة سعاد محمد، مظلومة رغم أنَّها فنانة جيدة. وهي عبارة كانت ترددها الراحلة سعاد محمد في أكثر من لقاء، إذ كانت تؤكد أنَّها لم تنل حقها خلال مشوارها الفني وتقول في لقاء تليفزيوني: “أين أنا من الإعلام، أنا أغني منذ عام 1948م، ولم أحصل على حقي من الصحافة والإعلام، أما الجمهور فقد أعطاني حقي ولي جمهور في الوطن العربي كله، ولكن من حقي أن يتحدث عني الإعلام، مثلما يحدث مع السيدة أم كلثوم، التي وجدت دعم كل من حولها، سواء التليفزيون أو الإذاعة أو الصحافة، وكانوا يتمنون أن يكتبوا عنها، أما أنا فلم يحدث معي شيء من هذا القبيل، وكنت أتمنى أن يتناقل التليفزيون الأغاني التي أقدمها ليذكروا الناس بي”.
أعادت المطربة الراحلة سعاد محمد غناء اشهر أغنياتها ذات الطابع الجماهيري وهى في سن كبيرة في حفلة مصوره تلفزيونيا وهى:
ــ وحشتني، للموسيقار خالد الأمير.
ــ أوعدك، للرائع والمجدد محمد سلطان.
ــ بقى عايز تنساني، للموسيقار العملاق فريد الأطرش.
ــ اغنية “اذا الشعب يوما اراد الحياة”، للشاعر التونسي ابا قاسم الشابي وألحان الفنان الكبير حليم الرومي والد الفنانة الكبيرة ماجدة الرومي.
خضعت الفنانة سعاد محمد لعمليتين جراحيتين في سنواتها الأخيرة، إحداهما في القلب ورغم نجاح العمليتين، لكن بعد فترة رحلت صاحبة الألف أغنية عن عالمنا بمنزلها في القاهرة، في 4 يوليو سنة 2011. رحمها الله وأسكنها فسيح الجنات والرياض.

