بطولات نابوليون بونابرت “كللت” بنفيه في جزيرة “سانت هيلين”
باريس … راندا سالم
هرب نابوليون بونابرت من منفاه وهبط في الساحل الشرقي لفرنسا كي يستعيد الإمبراطورية المنهزمة، لم يكن يدرى أنَّه ذاهب في عودته هذه إلى القدر المحتوم كما الأبطال في الدراما الإغريقية، لأنَّه في هذا الرجوع سوف يخط بيده السطور الأخير من كتاب مجده الشخصي، وسوف ينهى الملحمة النابليونية المتخمة بأعظم الأمجاد والأخطاء واللامبالاة.
بعد وصوله إلى باريس استعاد القائد نابوليون بونابرت الحكم وبدأ مباشرة في ترميم جيشه وشحنه بالمعنويات الإيجابية والمبادئ والقيم الوطنية. وخلال فترة حكمه الجديدة التي عرفت باسم المائة يوم، كون نابوليون بونابرت جيشًا قويًا من مائتي ألف جندي، ثم بادر بالخروج إلى المعارك الدامية لإجهاض تحالف أوروبا وبريطانيا ضده، ودارت واحدة من أشهر معارك أوروبا “واترلو”، الواقعة التي هزم فيها نابليون، لتنتهي معها أسطورته، وينفى بعيدا إلى جزيرة سانت هيلين في غياهب المحيط الأطلنطي، حيث تعمد البريطانيون إهانته والتنكيل به، حتى أنَّ اللورد البريطاني ذائع الصيت “هنري فاسل فوكس” انتقد في البرلمان التعامل مع بونابرت بقسوة غير مبررة.
توفى نابليون في الخامس من مايو سنة 1821م عن عمر يناهز 51 عاما بعد أن قضى في منفاه الأخير سبعة أعوام كاملة، في حياة صعبة بدائية متعبة، واجه فيها كثير من العنت والضرر المادي والمعنوي، وبلغ من عناد البريطانيين أنَّ حاكم الجزيرة رفض نقل رفاته إلى فرنسا، ليدفن على ضفاف نهر السين كما كانت وصيته.

نتيجة التماس من ملك فرنسا لويس فيليب الأول، تم الحصول على إذن من الحكومة البريطانية بنقل رفات نابليون إلى باريس، في إجراء اتسم بالجلال. نقلت بارجة حلابية من البحرية الفرنسية تم طلاؤها حدادا باللون الأسود الرفات، ومن تبقى على قيد الحياة من أتباعه، أما في باريس فقد تمت مراسم جنازة مهيبة، حيث شيع في موكب بدأ من قوس النصر إلى مثواه الأخير.
واجهت مسيرة حياة نابليون مآخذ كثيرة أبداها نقاده من المستنكرين له، لكن عبقريته العسكرية الفريدة لم تكن محل خلاف بين خبراء الاستراتيجية ومدارس والعلوم العسكرية على مر الأزمنة من بعده. فيما يزيد عن 19 عاما فقط خاض نابليون معارك كبرى لم تشهد لها أوروبا مثيلا من قبل، معارك قلبت القارة العجوز رأسا على عقب، فقد أتاحت أحداث الثورة الفرنسية حظوظا مكنت ضابط المدفعية الكورسيكى المغمور من أن يحتل مكانة عظيمة بين عظماء القادة العسكريين عبر التاريخ، إذ شهدت حقبته بسبب الثورة الانتقال من حروب الملوك إلى حروب الشعوب، والتحول في قوة بناء الجيش إلى التجنيد الإجباري.
يعزى إلى نابليون أنَّه مؤسس علم فن الحرب الحديث، حيث قلل من الاعتماد على الحصون، واعتمد في معاركة منهج قائم على العمل الهجومي، الذى يتميز بخفة الحركة والمناورة والحرب الخاطفة، وتوفير الاحتياجات الإدارية في أماكن تواجد جيشه خارج فرنسا.
نابليون بونابرت هو صاحب المقولة الشهيرة “الجيوش تمشى على بطونها”، للتأكيد على أهمية العنصر الإداري والتسييري وتأثيره على الأداء القتالي. ففي كل معاركه اهتم نابليون اهتماما بالغا بالروح المعنوية لقواته، ومن بعده اقرت الأكاديميات العسكرية في كل العالم شرقا وغربا الروح المعنوية كعنصر اساسي في مبادى الحرب، مثلها مثل الحشد والمرونة والتعاون وغيرها في قائمة هذه المبادئ التي تختلف ما بين عقيدة عسكرية وأخرى.
لكن الروح المعنوية منذ نابليون صارت عنصرا ثابتا في كل العقائد العسكرية، كان قادرا على حفز جنوده، وإثارة همتهم، وإشعارهم أنَّه غير بعيد عنهم، فقبل المعارك كان يخرج على رأس مفرزة صغيرة من الجنود، ليستطلع عن قرب مواقع العدو، حتى أنَّه تعرض عند العودة في إحدى المرات لنيران “القوزاق” التى كادت أن تفتك به، ضاربا لجنوده المثل والقدوة والشجاعة، وأنَّه بينهم وقبلهم أثناء المعارك، مغريا لهم بمجد جيشهم ووطنهم.
طور نابليون من الاستراتيجيات العسكرية السابقة له، كما قام بتعزيز النظام الذي أقرته الثورة الفرنسية، في ترقية عناصر الجيش بناء على الجدارة، وبالرغم من استمرار تقنيات التسليح على ما هي عليه من قبل توليه القيادة، إلا أنَّه أعاد استخدامها من خلال خطط أكثر ذكاء وديناميكية.
كان أسلوب نابوليون بونابرت في إدارة المعارك يعتمد على صنع التفوق في الاتجاه الحاسم عندما يبدأ الهجوم الرئيسي، وكان يستخدم المناورة عندما يواجه تحالفات معادية، بتدمير أحد الجيوش ثم بالمناورة السريعة التحول لتدمير جيش آخر، مع حرصه على عدم الإخلال بتماسك القوة الرئيسية في جيشه وعدم تجزئتها.
هذا الأسلوب اتخذ ونفذ جليا في عام 1805م عندما قضى على القوات النمساوية في معركة “أولم”، ثم استدار بقوته الرئيسية إلى التحالف البلا روسى / الروسى، وحقق انتصارا فى “أوسترليتز” اعتبره من أعظم انتصاراته البطولية.
خاض نابليون في أقل من عشرين عاما ثمانين معركة انتصر في سبعين منها، وهزم في ثمانية، ولم يحسم معركتين، ولأنَّه في الأصل ضابط مدفعية لم يتفوق عليه أي من خصومه في استخدامها. كان أسلوب إدارة معاركه التي أحدثت تطورا خطيرًا في المفاهيم العسكرية مبنيا على مرحلتين:
ــ المرحلة الأولى … عبارة عن إلهاء وتثبيت القوة الرئيسية للعدو. بعد تأمين قاعدة دفاعية قريبة للقوة القائمة بهذه المهمة، وفى هذه الإثناء حال نجاحها تقوم قوة أخرى بهجوم ثانوي مخادع.
ــ المرحلة الثانية … تبدأ بالتحرك لتنفيذ الهجوم الحاسم بالقوة الرئيسية القادمة من الخلف، في الاتجاه الأضعف الأكثر انكشافا بسبب أعمال قتال قواته في المرحلة الأولى، وبالتعاون بين قوتي الهجوم الثانوي والرئيسي يتم تدمير قوة العدو الرئيسية، ومنع وصول الإمدادات له، ثم استغلال النجاح في مطاردة فلوله.
يحدد مفكرو الاستراتيجية ومؤرخو التاريخ العسكري أخطاء نابليون الرئيسية في جانبين، اولهما تورطه في غزو روسيا متجاهلا إلحاح مستشاريه بعدم عبور الحدود وغزو الأراضي الروسية، لأنَّ مساحة هذه الدولة الشاسعة سوف تكلفه أعباء لوجستية وعسكرية هائلة، كما أنَّ المناخ شديد البرودة بالغ القسوة لن يتحمله الجنود الذين لم يعتادوا على مثل هكذا أجواء قد تكون في نهاية المطاف مميتة!
دفع نابليون ثمنا باهظا لهذه الحرب التي كانت بداية نهايته، لقد بدأ الحملة بجيش قُدِرَ بأربعمائة وخمسون ألف جندي، عاد منهم إلى فرنسا أربعون ألف فقط رغم انتصاره في المعركة على مشارف موسكو، التي يشار إليها باعتبارها الأفظع دمويا عبر تاريخ الحروب حتى ذلك الوقت. لقد أحرق الروس موسكو قبل أن يحتلها بونابرت، وعندما اضطر للعودة إلى فرنسا هزمته الطبيعة شر هزيمة ونكلت به كما فعلت مع جيوش هتلر من بعده.
الجانب الآخر من أخطاء نابليون هو اندفاعه المستمر أو بالأحرى شغفه الجنوني في المعارك الدامية المتتالية، دون أن تتوقف قواته عن القتال في معارك بلا فارق زمنى كاف، أكثرها كانت معارك بالغة الصعوبة، ما كان يجعل قواته رغم ارتفاع الروح المعنوية في حال إنهاك بدنى وذهني، وكانت استعاضته المستمرة بخسائره من الجنود آخرين جدد دون وقفات لراحة الجنود القدامى وتدريب الجدد على الدمج إحدى السلبيات المعوقة، وكلف هذا الخطأ الفرنسيين عشرات الألاف من الضحايا.
فى الجانب المدني، أثناء حكمه الإمبراطوري، أنفذ نابليون عملا حفر اسمه في التاريخ كرجل دولة ملهم، عندما كلف أربعة من عتاة القضاة بإعداد القانون المدني الفرنسي، تمييزا له عن القانون الجنائي، وهو القانون الذي أطلق عليه كود أو قانون نابليون، إجلالا لفكرته ودوره في إصداره.

كان الرجل محقا عندما قال: “سوف تمحو واترلو ذكرى كثير من الانتصارات، لكن ما سوف يحيا إلى الأبد، هو قانوني المدني”، لقد كان هذا القانون إنجازا ثوريا غير وجه الحياة القانونية والاجتماعية في أوروبا التي حاربته، ومازال قانون نابليون يشكل منهجًا مرجعيا لكثير من الأنظمة القضائية حول العالم حتى الآن. لكن هذا الإمبراطور على الجانب الآخر أهدر سمعته كرجل دولة، حينما أعاد نظام العبودية في مستعمرات فرنسا ما وراء البحار.

الطبيعة الدرامية في شخصية هذا الرجل الفذ والمفارقات الكثيرة التي تماهت مع مسيرة حياته الصاخبة لم تذهب هباء، ما جعل السينما العالمية عبر مشاهير مخرجيها شرقا وغربا تنتج مئات الأفلام عنه، كما أدى دور نابليون عظماء الممثلين في السينما العالمية عبر تاريخها، واستمر وجود هذه الشخصية الاستثنائية مع تطور فنون التلقي البصرى، لتصل إلى شخصيات الرسوم المتحركة وألعاب مواقع التواصل الاجتماعي.

