حياة بريجيت باردو … الجزء الثامن
وصفت بريجيت باردو نفسها بأنَّها محافظة سياسيا، كما اعتبرت نفسها فرنسية من أصول بعيدة وهي تفتخر بذلك. فكانت أفضل لحظاتها السياسية عندما أدلت بصوتها لأول مرة في حياتها، وأهي في الرابعة والعشرين من عمرها، وتحديدًا في عام 1958م، لصالح الجنرال شارل ديغول، في إشارة واضحة إلى الاستفتاء الذي أسس الجمهورية الفرنسية الخامسة. التفاصيل معي انا من باريس راندا سالم.
باريس … راندا سالم
في أمسية الفنون والآداب، استُقبلت بريجيت باردو لأول مرة في قصر الإليزيه في 7 ديسمبر 1967م. كانت ترتدي سترة سوداء مزينة بضفائر وحواف ذهبية وبنطالًا أسود اللّون، لتكون بذلك أول امرأة تدخل قصر الإليزيه خلال حفل رسمي مرتديةً بنطالًا، في زيٍّ من تصميم جان بوكين، يجمع بين زيّ مروض الأسود والزي العسكري، مستوحى من غلاف ألبوم فرقة البيتلز “سيرجنت بيبرز”.
ويُقال أنَّ الجنرال ديغول، عند رؤيته للتطريز على سترتها، هتف قائلًا: “رائع! جندية!”، أو “يا لها من حظٍّ سعيد، سيدتي! أنا أرتدي ملابس مدنية، وأنتِ ترتدين زيًّا عسكريًّا!”، أو ببساطة ردّ عليها قائلًا: “صباح الخير، أيها الجنرال”.
وبعد انتهاء المراسم، على درجات قصر الإليزيه، عندما سُئلت عن انطباعها عن الجنرال ديغول، أجابت: “إنه أطول مني بكثير.” وعنها، صرّح مؤسس الجمهورية الخامسة قائلا: “تتمتع هذه الشابة ببساطة من أسمى درجاتها.” وفي عام 1969م، أرادها أن تكون النموذج الذي يُصنع منه تمثال لماريان.
في عام 1973م، عندما اعتزلت بريجيت باردو صناعة السينما التي جعلت منها رمزًا نسائيًا، صرّحت بشأن حركة تحرير المرأة، وهي منظمة نسوية نسائية كانت في أوج نشاطها آنذاك بأنَّ النساء لن تكون أبدًا مثل الرجال. إذا كنّ غير سعيدات، فذلك لأنَّهن لم يعدن يرغبن في أن يكنّ ما هنّ عليه. وأنّهن لم يعدن يرغبن في أن يكنّ موضوعًا. بل يرغبن في المطالبة بالحقوق الخاصة بالنساء. وتجد بريجيت باردو أنَّ حركة تحرير المرأة مثيرة للسخرية وسخيفة للغاية. وأنَّ النساء يجب أن يبقين نساءً. لأنَّهُ ولم يعد هنالك نساء حقيقيات. ولا رجال حقيقيون. وأكدت على انَّ المجتمع الغربي يشهد تحولًا من جنس إلى آخر.

خلال الحملة الرئاسية لعام 1974م، ارتدت بريجيت باردو علنًا قميصًا يحمل شعار مؤيدي مرشح يمين الوسط، فاليري جيسكار ديستان، الذي دعمته ضد الاشتراكي فرانسوا ميتران. وأشادت لاحقًا بالرئيس جيسكار ديستان لحظره استيراد جلود الفقمة إلى فرنسا، فضلًا عن حظر استخدام القرود في اختبارات تصادم السيارات.
وبينما كانت تُقدّر جهود شارل ديغول وفاليري جيسكار ديستان، انتقدت جميع خلفائهم، مثل فرانسوا ميتران، وجاك شيراك، ونيكولا ساركوزي الذي عاتبته لعدم وفائه بوعوده بشأن الحلال وذبح الحيوانات دون تخدير، وفرانسوا هولاند، وإيمانويل ماكرون. لكنها أشادت بكارلا بروني ساركوزي لرفضها ارتداء الفراء الحيواني بصفتها السيدة الأولى.
تزوجت عام 1992 من برنارد دورمال، صديق زوجة جان ماري لوبان، ودعمت كاثرين ميغري، مرشحة الجبهة الوطنية، في الانتخابات البلدية الجزئية التي جرت عام 1997م في فيترول. وفي عام 1999م، صرحت بريجيت باردو بأنَّها تشارك بعض أفكار الجبهة الوطنية، لا سيما فيما يتعلق بمستويات الهجرة المرتفعة في فرنسا، بينما أعلنت رفضها لأمور أخرى، مثل الإجهاض، الذي أرادت الجبهة الوطنية تقييد الوصول إليه. وذكرت أنَّها يمينية، لكنها ليست عضوة في الجبهة الوطنية.
خلال الحملة الرئاسية لعام 2012، أعلنت دعمها العلني لمرشحة الجبهة الوطنية، مارين لوبان، التي اعتبرتها الوحيدة التي نددت بالوضع بقوة وشجاعة. وجددت دعمها لمارين لوبان في عام 2014، مصرحةً عنها بأنَّها تنقذ فرنسا. كذلك، تُشبهها بـ جان دارك القرن الحادي والعشرين.
وقبيل الانتخابات الرئاسية لعام 2017، دعت إلى التصويت ضد إيمانويل ماكرون، الذي انتقدته لانحيازه لصالح الصيادين والمزارعين. وعندما سألتها صحيفة لوموند في يناير 2018 عن وصمها بالجبهة الوطنية الذي شوه صورتها، أجابت بأنَّها تحكم على السياسيين من خلال ما يقترحونه لرعاية الحيوان. وكان لديها أمل كبير عندما قدمت الجبهة الوطنية مقترحات ملموسة للحد من معاناة الحيوانات. كما يُثير فلاديمير بوتين، رئيس الاتحاد الروسي، إعجابها لكونه قدّم للرفق بالحيوان أكثر مما قدّمه رؤساء فرنسا المتعاقبون.
في أواخر عام 2018، أعلنت دعمها لحركة السترات الصفراء. ثم دعت إلى التصويت لحزب الرفق بالحيوان في انتخابات البرلمان الأوروبي لعام 2019. وفي يونيو 2020، وفي إطار حركة مناهضة لعنف الشرطة، دافعت عن الشرطة الفرنسية، التي وصفتها بأنَّها تحمي السكان من الحثالة الغازية، وشعرت بأنَّ ماكرون الخاضع قد تخلى عنها.
بعد أن أعربت عن دعمها لترشيح إريك زمور في الانتخابات الرئاسية الفرنسية لعام 2022، تدعم الآن ترشيح نيكولا دوبون-أينيان، مستنكرة مواقف زمور المؤيدة للصيد. وفي انتخابات البرلمان الأوروبي لعام 2024، دعت بريجيت باردو مجددًا إلى التصويت لحزب الرفق بالحيوان، مصرحةً علنًا بأنَّه الحزب الوحيد الملتزم التزامًا حقيقيًا بتعزيز رفاهية الحيوان.
بريجيت باردو غُرِّمت خمس مرات بتهمة التحريض على الكراهية والإهانة العلنية بسبب تصريحات أدلت بها حول الهجرة، والإسلام في فرنسا، وذبح الحيوانات في الشعائر الدينية، والعلاقات بين الأعراق المختلطة، والمثلية الجنسية، وسكان جزيرة ريونيون. كما أُدينت بتهمة الإساءة العلنية للصيادين.
في 26 أبريل/نيسان 1996مم، وبمناسبة عيد الأضحى المبارك، أشارت بريجيت باردو من خلال صحيفة “لو فيغارو” إلى أنَّها كانت تستنكر الظروف التي يذبح فيها المسلمون الأضاحي خلال هذا العيد طوال ستة عشر عامًا، وأعربت عن خشيتها من تنامي الإسلام في فرنسا.
بعد أن حوكمت بتهمة التحريض على الكراهية العنصرية من قبل جمعيات مناهضة للعنصرية (MRAP، LICRA، LDH)، غُرِّمت عام 1997م. وخلال محاكمتها، جددت بريجيت باردو معارضتها للممارسات المتبعة خلال عيد الأضحى، مشيرةً إلى وجود قانون في فرنسا يُلزم بصعق الحيوانات قبل ذبحها. وأصبح مبلغ الغرامة البالغ 10000 فرنك فرنسي نافذًا بعد رفض استئنافها أمام محكمة النقض في 5 أكتوبر 1999م.
وخلال عيد الأضحى عام 1997م، عقدت مقارنة بين ذبح الأغنام في عيد الأضحى وبين المذابح البشرية التي ارتُكبت في الجزائر، مما أدى إلى تغريمها 20000 فرنك فرنسي. أُيِّد الحكم في الاستئناف في أكتوبر 1998م، ورُفض الاستئناف أمام محكمة النقض عام 2000.
في عام 2000، غُرِّمت بمبلغ 30000 فرنك فرنسي لكتابتها، في الجزء الثاني من مذكراتها “مربع بلوتون” لسنة 1999م، “رسالة مفتوحة إلى فرنسا المفقودة”، انتقدت فيها عدد المهاجرين المسلمين في فرنسا، وممارستهم ذبح الأغنام، وتزايد عدد المساجد، بينما أجراس الكنائس صامتة لقلة القساوسة وانتشار الإسلام. وفي يونيو/حزيران 2004، غُرِّمت 5000 يورو بسبب تصريحاتها حول الإسلام. ثم نددت بما وصفته بـ”انتصار المسلمين”.
في 3 يونيو/حزيران 2008، غرّمتها محكمة باريس الجنائية 15000 يورو بسبب تصريحات أدلت بها في رسالة عامة إلى نيكولا ساركوزي عام 2006 بشأن ذبح الأغنام شعائريا دون تخدير مسبق خلال عيد الأضحى من قِبَل المسلمين. وقد صرّحت فيها تحديدا قائلةً: “لقد سئمنا من أن يقودنا هذا الشعب الذي يدمرنا، ويدمر بلدنا بفرض أفعاله”. وأعربت عن اشمئزازها من المضايقات التي تمارسها الجمعيات، ووعدت بالتزام الصمت فقط عند تنفيذ التخدير.
في عام 2003، عبّرت في كتابها “صرخة في الصمت” عن آرائها حول المسلمين، والنساء، والمتحولين جنسيًا، والمثليين، منتقدةً برامج تلفزيون الواقع، والوجبات السريعة، والشخصيات السياسية، بينما استذكرت أيضًا ماضيها كممثلة، ممجدةً عصرها ومنتقدةً بشدة الإنتاجات الحديثة. اعتبرها رئيس منظمة MRAP، مولود عونيت، دعوة صريحة للعنصرية والتمييز والعنف.
وفيما يتعلق بالمثلية الجنسية، تقول بريجيت باردو بأنَّهُ لطالما تميّز بعض المثليين بذوق رفيع وموهبة، وطبقة اجتماعية، ومكانة، وذكاء، وفطنة، وذوق جمالي ميّزهم عن عامة الناس، إلى أن انحدر كل ذلك إلى مستهجنين من الطبقة الدنيا، ومتحولين جنسيًا من جميع الأنواع، وعروض غريبة، للأسف، حفّز رفع القيود التي كانت تكبح جماح التجاوزات الشديدة هذا الانحطاط.
تنفي كونَها معاديةً للمثليين، وترسل رسالةً إلى مجلة “تريبو موف” للمثليين، حيث توضح في مكتوبها بأنَّ المثليين بشرٌ كغيرهم، لهم صفاتهم وعيوبهم، ومن بينهم تجد أعز أصدقائها. وأنَّه من العار على جميع المثليين أن يُهمّش بعضهم أنفسهم، مطالبين بالحقوق، ساخرين ومُستهزئين في مسيرات الفخر للمثليين بميول جنسية لا يُشكّك فيها أحد.
في عام 2017، ردًا على معلومات كاذبة تفيد بأنَّ عمدة تامبون، أندريه ثين آه كون، كان يُفكّر في قتل الكلاب الضالة في المنطقة المشتركة بين البلديتين، قام نشطاء من مؤسسة بريجيت باردو وضع ملصقات تصور عمدة المدينة كطاهٍ يطبخ الكلاب في مقلاة الووك.
في مارس/آذار 2019، أرسلت بريجيت باردو رسالة مفتوحة إلى محافظ جزيرة ريونيون، تُعلمه فيها بتلقيها سيلا من الرسائل التي تُندد بأعمال وحشية تُرتكب ضد الحيوانات في الجزيرة. ونددت في رسالتها بالحيوانات الضالة، وسوء المعاملة، والإهمال، فضلا عن تأثير بعض الممارسات الدينية التي اعتقدت، صوابا أو خطأً، أنها تُسبب القسوة على الحيوانات. واستحضرت في رسالتها أصداء أكل لحوم البشر، ووصفت ريونيون بجزيرة الشيطان. ووصفت سكان ريونيون بأنَّهم مجموعة من المنحطين ذوي جينات متوحشة”.
بعد ذلك، ردّت وزيرة الأقاليم ما وراء البحار، آنيك جيراردان، برسالة مفتوحة تدعو فيها السلطات المعنية إلى اتخاذ إجراءات قانونية، ورفعت دعوى قضائية بتهمة الإهانة العلنية نيابةً عن الدولة. وقُدّمت العديد من الشكاوى الأخرى، أبرزها من قِبل عضو البرلمان جان-هوغ راتينون.
وفي 24 مارس/آذار 2021، وجّهت الناشطة والنجمة المعتزلة بريجيت باردو في مجال حقوق الحيوان اعتذارًا إلى السكان المحليين. ومع ذلك، سارت الإجراءات القانونية مجراها، وحُكم على الممثلة السابقة في نوفمبر/تشرين الثاني 2021 بدفع غرامة قدرها 20,000 يورو بتهمة الإهانة العلنية، بينما غُرّم مسؤولها الإعلامي، الذي وزّع الرسالة على العديد من وسائل الإعلام، 4,000 يورو لتواطئه في الإهانة العلنية. وبعد استئناف هذا القرار، خُفّضت غرامة بريجيت باردو إلى 10,000 يورو في قرار محكمة الاستئناف الصادر في ديسمبر/كانون الأول 2022.
في نوفمبر/تشرين الثاني 2018، صرّح رئيس الاتحاد الوطني للصيادين، ويلي شراين، في برنامج تلفزيوني مع جان مارك مورانديني، بأنَّه يرى قتل الحيوانات أمرًا طبيعيًا. وفي أكتوبر/تشرين الأول 2019، ردّت بريجيت باردو في مقال رأي على موقع مؤسستها الإلكتروني، مصرحة بانَّها تكره الصيادين وتحتقرهم، وبانَّهم كائنات دونية جبانة تحمل أكواب السكارى، واصفةً إياهم بإرهابيي عالم الحيوان الذين يحملون في داخلهم جينات وحشية قاسية.
كذلك، وصفت بريجيت باردو ويلي شراين بأنَّه مثال صارخ على هذا الانحراف المخزي وبأنَّهُ شخص مفترس ذو وجه سمين وراضٍ عن نفسه. وبدوره، قدم ويلي شراين شكوى بتهمة الإهانة العلنية في يناير 2020. وجرت المحاكمة في 27 مايو 2021، وأدينت بريجيت باردو وغُرمت 5000 يورو.
لطالما انتقدت بريجيت باردو الحركة النسوية وحركة MeToo. في يناير 2018، أجرت مجلة “باريس ماتش” مقابلة معها حول إدانة الممثلات للتحرش الجنسي في قضية هارفي واينستين، فأجابت قائلة بأنَّ هذا الأمر، في أغلب الأحيان، نفاقٌ وسخافةٌ ولا طائل منه. إنه يصرف الانتباه عن مواضيع مهمة كان من الممكن مناقشتها.
في 27 فبراير/شباط 2020، نشرت بريجيت باردو رسالة على حسابها في تويتر تدافع فيها عن المخرج رومان بولانسكي، الذي كان يُحاكم أمام القضاء الأمريكي بتهمة إقامة علاقة غير شرعية مع قاصر عام 1977م، ويواجه منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2019 اتهامًا جديدًا بالاغتصاب، وهو الثاني عشر في سلسلة اتهامات الاغتصاب الموجهة إليه.
في سبتمبر 2024، وفي مقابلة مع مجلة “سينيه-تيليه-ريفيه”، سُئلت عن حركة #MeToo، فأجابت بأنَّ هذه المحاكمات البشعة بتهمة التحرش التي يتذكرها الناس بعد ثلاثين عامًا هي انحطاط بعينه. وهي تحب أن يكون الرجل رجوليًا والمرأة أنثوية.
في مايو/أيار 2025، دافعت بريجيت باردو عن نيكولا بيدوس وجيرار ديبارديو خلال مقابلة على قناة BFM TV عندما اتُهما بالتحرش الجنسي، قائلةً بأنَّ هؤلاء الموهوبون الذين يتحرشون بفتاة يُطردون إلى الحضيض. وأنَّهُ على الأقل كان بالإمكان تركهم يعيشون.

كذلك، في مايو/أيار 2025، صرّحت باردو في مقابلة مع تليفزيون BFM TV بأنَّ النسوية ليست من اهتماماتها، لأنَّها وبكل بساطة تميل إلى الرجال. وفي 12 مايو/أيار 2025، ردًا على هذه التصريحات، قالت إيلودي جونيو، نائبة رئيس MeTooMedia، لإذاعة RTL إنَّه على الرغم من أن بريجيت باردو ربما جسّدت شكلا من أشكال التقدمية والتحرر وكانت حليفةً للنسوية في عام 1960م، إلا أنَّها لا تستطيع أن تكون حليفةً في عام 2025. بحسب جونو، تنتمي بريجيت باردو إلى ذات العائلة الفاسدة في السينما الفرنسية عندما تستمر في الدفاع عن رجال مثل جيرار ديبارديو.
وترى إيزلين فورتيك، المحامية والرئيسة المشاركة لمنظمة MeToo، أنَّه يجب النضال ضد التمييز الجنسي، لأنَّهُ على الرغم من دعم بريجيت باردو ودفاعها عن الإجهاض، اتخذت مواقف خلال حركة #MeToo أثارت غضب الحركات النسوية، ولم تعمل على تعزيز حقوق المرأة.

