قسنطينة … بقلم الفنان حاتم قندوزي

في الليلة التي انطفأ فيها صوتها من العالم، لم ينطفئ شيء خارجه … لكن داخله كان هنالك ما يشبه سقوط مدينة أسطورية مثل سيرتا لم يُدوَّن كل أحداثها في أي كتاب بعد. جلس وحده قرب النافذة. المدينة مستمرة في حياتها كأن شيئًا لم يحدث، السيارات تعبر الطريق، المصابيح تومض، والسماء لا تكترث لانكسار رجلٍ واحد.
وحده كان يعرف أنَّ عاما ونصف من الذكريات والآمال انهارت كلها بداخله في لحظة صامتة. قبل الزواج بأيام فقط، قطعت هي كل شيء. لا رسالة، لا تفسير، لا وداع. كأن يدًا خفية نزعت اسمها من قلبه فجأة، وتركت مكانه فراغًا لا يُحتمل. كان يعرف مرضها. كان يعرف أنَّ الوسواس لا يأتي من العدم، وأنَّه حين يدخل القلب يزرع فيه محاكم على مد البصر لا تنتهي، وشكوكًا لا تتطلب دليلًا، وتخيلاتٍ ترتدي قناع الحقيقة.
ومع ذلك كله، لم يكن مستعدًا لهذه القسوة. في داخله، جلس العقل والقلب وجهًا لوجه، كخصمين قديمين لا يتصالحان. قال العقل، بصوت بارد كصخرة جبل: “إنَّها لم تهرب منك، بل من الصور التي رسمها المرض في رأسها. أنت لست المتهم، لكن الوسواس لا يحتاج متهمًا حقيقيًا.
ردّ القلب، وهو ينزف حُرقة بصمت: “وماذا عني؟ من يبرّئ هذا الألم؟ من يشرح لهذا الفراغ أنَّه لم يكن خيانة؟”.
اشتعل الغضب فجأة، كحريق في غابة لم تمتطيها قدم أحد منذ أزمان. لماذا أنا؟ لماذا أُعاقَب على حبٍ حاول أن يبقى طاهرًا؟ لم ألمس، لم أتجاوز، لم أكذب … فلماذا أُقصى هكذا؟ لكن الرضا تسلل ببطء، كحكيمٍ يعرف أنَّ بعض المعارك لا تُربح، قال له بهدوء موجٍ قديم: “لو بقيتَ، لتحوّل حبك إلى استنزاف، ولأصبحت شاهدًا يوميًا على خوفٍ لا شفاء منه”.
أحيانًا، النجاة لا تشبه الانتصار، بل تشبه الخروج من النار بنصف روح. تذكر ضحكتها، وتذكر كيف كانت ترتجف من أفكار لا يراها سواها، كيف كانت تشك حتى في صفاء اللحظات الجميلة، وكيف كان يحاول أن يكون مرفأ. بينما البحر لم يكن يريد أن يهدأ. قال في سره، وهو يضغط على صدره: “أنا لا أكرهها، ولو حاولت، لفشلت. أنا فقط أحببتها أكثر مما يسمح به المرض”.
سكت طويلًا. ثم فهم شيئًا لم يكن يريد فهمه من قبل. هو أنَّ الحب وحده لا يكفي دائمًا، وأنَّ بعض القلوب بحاجة إلى شفاءٍ قبل أن تستطيع أن تسكن قلبًا آخر. في تلك الليلة، لم يتجاوز الألم، لكنه وضع له اسمًا. وتوقّف عن لوم نفسه. وحين أطفأ الضوء، قال آخر ما قاله لنفسه، كمن يودّع حلمًا كان حقيقيًا يومًا ما: “لم أخسركِ لأنني قصّرت، ولا لأنَّ الحب كان ناقصًا، بل لأنَّ المرض حضوره كان طاغيًا وصوته أعلى من كل ما أردنا قوله”. ونام في صمت كئيب رهيبٍ … لا مرتاحًا، ولكن أقل تمزقًا من ذي قبل …

