قسنطينة … بقلم الفنان حاتم قندوزي
حين نتصالح مع الحياة في مرحلةٍ ما من العمر، ندرك أنَّ الحياة لم تكن خصمًا كما كانت مرسومة في مخيلتنا. بل كانت مرآة بملامح قاسية أحيانًا، وعواطف صادقة دائمًا. كل ما كسرنا، لم يكسرنا عبثًا، وكل ما تأخر عنا، لم يتأخر ليفوّت علينا الفرح، بل ليُعيد تشكيلنا بطريقةٍ أعمق وبشكل أدق.
نركض كثيرًا خلف ما نعتقد أنَّه السعادة، ثم نكتشف بعد تعب ووهنٍ أنَّها كانت تسير خلفنا بهدوء، تنتظر التفاتة منا. نحب كما لو أنَّ هذا الحب إنجاز، ثم نفهم متأخرين أنَّه مسؤولية. نمنح قلوبنا باندفاع، لا لأننا ضعفاء أو متسرعين، وإنما لكوننا لم نكن نعرف بعد أنَّ النقاء يحتاج حكمة كي لا يتحول إلى عبء.
الحب الحقيقي لا يُنقذنا من الحياة، بل يُعلّمنا كيف نعيشها دون أن ننهزم. هو ذاك الذي لا يعدنا بزوال الألم، لكنه يمدّ لنا يدًا حين نتعب من حمله بمفردنا. ليس كل من أحبّنا بصدق استطاع البقاء، وليس كل من بقي كان حبّه صادقًا… وهنا يبدأ الفهم، لا الخيبة. ثم تأتي لحظة التحوّل، لحظة لا يصاحبها حدث كبير، بل صمت داخلي عميق، ننظر إلى أنفسنا ونكتشف أنَّنا لم نعد نطلب الكثير. فقط قلب مطمئن، روح خفيفة، وأيام لا نحتاج فيها إلى تبرير وجودنا.
التفاؤل، في نضجه الحقيقي، لا يعني أن نتوقع الأفضل دائمًا، بل أن نثق في أن ما يحدث مهما بدا قاسيًا يحمل في داخله دروسا وعلامات، أو حماية، أو ربما إعادة توجيه. هو إيمان هادئ يظهر لنا الأبواب الموصدة التي لم تُفتح بحجة أنَّها لم تكن تناسب عبورنا، وأنَّ بعض الخسارات كانت في حقيقتها إنقاذًا مؤجّلًا لذاتنا.
الروح الإيجابية لا تولد من الوفرة، بل من الفهم الحقيقي والمنطقي لكل ما يحيط بنا. من القدرة على الاختيار الواعي أن نبتعد دون كراهية، بلا حقد، ولا عدوانية، وأن نلتزم الصمت دون خوف أو ضعف، وأن نمضي قُدًمًا دون أن نحمل معنا أوجاعنا الداخلية أو ما أثقلنا يومًا.
وحين نتصالح مع الحياة، لا تصبح سهلة … ولكنها تصبح واضحة. نحب بوعي وبصدق، نحزن دون الغوص في دهاليز اليأس، ونفرح دون خوف من الفقد والهجر والبعد. ونكتشف أخيرًا أنَّ السلام ليس المحطة النهائية التي يجب الوصول إليها، بل طريقة سير لا يزل طويلًا وربما محفوفًا بالمخاطر والعقبات والفرح. أجمل انتصار يمكن أن نحققه… هو أن نبقى إنسانيين، رغم كل شيء.

